باريس | «الحيوانات أفضل من العرب»، هذا ما كان يردده أحد الفرنسيين الثملين، أول من أمس، وهو يطعم الحمام في ساحة إيطاليا. المشهد ليس جديداً، فالحمى العنصرية ضد العرب والأفارقة بدأت منذ الثمانينيات، لكنها ازدادت حدّة وشراسة بعد الأحداث الإرهابية التي استهدفت فرنسا في السنوات الماضية والتي بلغت أوجها، خلال الأسبوع الماضي، بقتل سبعة عشر مواطناً، على أيدي مجموعة إرهابية يشتبه بأنها على علاقة بـ«القاعدة».

الصدمة كبيرة في فرنسا «التي رعت اللاجئين السياسيين ودافعت عن الديموقراطية وحقوق الإنسان»، أما الصدمة الأكبر فكان سببها هوية القتلة الفرنسيين الذين ولدوا في فرنسا من أصول مغاربية وأفريقية، وهو ما شكل صرخة فزع جسّدتها المسيرة التي خرج فيها ملايين الفرنسيين والمهاجرين قبل يومين. لكنّ كل ذلك لا يثني عن سؤال يتهرّب الكثير من الفرنسيين من الإجابة عنه، وهو كيف ولد هذا الحقد على فرنسا وعلى قيمها الجمهورية التي تباهي بها العالم منذ الثورة الفرنسية وولادة عصر الأنوار؟

جولة صغيرة في الأحياء التي يتكاثر فيها المهاجرون المغاربة والأفارقة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال. بلفيل وكريتاي وجوراس وسانت دينيس وبرباس وبيقال وغيرها من ضواحي باريس القريبة، كانت محلّ استقطاب للمهاجرين المغاربة منذ خمسينيات القرن الماضي، إضافة إلى بعض الأحياء الجديدة، حيث يتكدّسون في ظروف مختلفة تماماً عن الظروف التي يعيش فيها الفرنسيون.
فرنسا «الديموقراطية» و«الأنوار» استقبلت المهاجرين، خلال نهاية الحرب العالمية الثانية، في سياق موجات من الهجرة المنظّمة بعقود عمل. ووضعت هؤلاء في أحياء شبيهة بـ«الغيتو»، فنشأ عدد كبير من أبنائهم وأحفادهم على كره دولة لم تمنحهم ظروف حياة موازية لحياة مواطنيها الأصليين. هم دائماً مواطنون من درجة ثانية في المدرسة والمعهد والكلية والوظيفة.
وحتى الآن، هناك جيل جديد من الأبناء والأحفاد من الجيل الثاني والثالث يحملون الجنسية الفرنسية، لكنهم يحملون معها الحقد والكره لفرنسا التي سرقت شباب آبائهم وأجدادهم، ليصبحوا بعد ذلك ضيوفاً غير مرغوب فيهم.

لشبّان الأحياء الشعبية الذين
يعانون من أزمة هوية وجدوا في التشدّد الديني تعبيراً عن هويتهم

في هذا المناخ المعادي للاندماج والتثاقف، نشأ ملايين الشبان الفرنسيين من أصول مغاربية وأفريقية ومنهم القتلة الذين أغرقوا فرنسا، الأسبوع الماضي، بالدم. فشبّان الأحياء الشعبية الذين يعانون من أزمة هوية حقيقية، لا هم عرب ولا هم فرنسيون، وجدوا في التشدّد الديني وإطالة اللحى التعبير الأمثل عن هويتهم التي لا يعرفون حتى لغتها، وهم أنفسهم الذين توجهوا إلى سوريا ومالي للقتال من أجل «الإسلام» الذي «تهينه أوروبا الكافرة»، الأمر الذي يترجم حجم التحديات التي تواجهها فرنسا ومن ورائها أوروبا، بسبب سياسات خاطئة طوال سنوات من التعاطي مع المهاجرين.
ويعلم المتابعون للشأن الفرنسي أن ما حدث، الأسبوع الماضي، ليس إلا فصلاً من فصول عنف متوقعة. فمنذ سنوات تعمل الجمعيات الدينية المموّلة من دول خليجية على استقطاب الشبان المنقطعين عن التعليم (أعلى نسبة انقطاع عن التعليم في أوساط أبناء المهاجرين) والغارقين في الإحباط وانعدام الأمل والمخدرات. وتقوم هذه الجمعيات التي يشرف عليها رموز الحركات الإسلامية من المغرب العربي بدور أساسي في التعبئة ضد «الغرب الكافر»، في الوقت الذي تتعامل فيه فرنسا الرسمية مع هذه الظواهر بشعارات الجمهورية والعلمانية، لتجد نفسها اليوم في مواجهة دموية مع أبنائها.
إنها العاصفة والنتيجة الطبيعية لرياح الاحتقار والإهمال الذي تعاملت من خلاله فرنسا مع المهاجرين، الذين أصبحوا اليوم قنبلة موقوتة في الشارع الفرنسي. ولا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة أمنياً أو استخبارياً فقط، بل تحتاج إلى معالجة هيكلية تمنح أبناء المهاجرين حق الاندماج الفعلي في المجتمع وتنفيذ برامج مدرسية وجامعية لتدريس اللغة والحضارة العربية في المؤسسات الرسميةً الفرنسية واعتبار العرب والثقافة العربية جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي الفرنسي. وفي غياب خطة لذلك، سيبقى عدد كبير من أبناء المهاجرين وأحفادهم قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.