بخلاف الزيارات الدورية التي تجريها قيادة حركة "حماس" لتركيا، للمشاركة في فعاليات كثيرة تخص حزب "العدالة والتنمية" وتتبعها لقاءات مع رأس الهرم في الحزب، يجري وفد رفيع المستوى من الحركة، زيارة غير مجدولة على قائمة المواعيد. ليس خفياً أن تزامن هذه الزيارة مع الضجيج الكبير والأخير عن اتفاق تركي - إسرائيلي وشيك (أو قيد التنفيذ)، لن يكون مصادفة عابرة.
"حماس"، على عادتها، قالت إن هذه الزيارة تأتي لبحث المستجدات والتطورات السياسية في المنطقة، وأشارت يوم أمس بعد لقاء لأكثر من ساعتين بين رئيس مكتبها السياسي، خالد مشعل، ورئيس الوزراء التركي، أحمد داوود أغلو، إلى أنه جرى الاتفاق بين الطرفين على عقد لقاءات موسعة خلال الأيام المقبلة.
والواضح أن تخطي الزيارة حاجز الأيام الثلاثة والحديث عن لقاءات موسعة بدأت بلقاء مشعل، مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ليست بعيدة عن "صدمة" تتحدث عنها مصادر سياسية فلسطينية. لكنها ليست صدمة كبيرة كما يرون، فقيادة الحركة كانت على علم مسبق بما يطبخ تركياً وإسرائيلياً منذ نحو سنتين على الأقل. لكن الخلاف بين أنقرة وموسكو، التي كانت تتودد إليها "حماس" هي الأخرى منذ شهور، عجّل بعودة تركيا إلى إسرائيل.
وصحيح أن تركيا لم تنه علاقاتها بالإسرائيليين على الأصعدة الأمنية والعسكرية والتجارية، لكنها أخذت موقف الرافض لتطبيع كامل للعلاقات إلى حين تسوية الخلافات على جانبين أساسيين: الأول اعتذار وتعويض عما جرى للسفينة التركية "مافي مرمرة"، والثاني ضمان دور تركي رئيسي في غزة، بل الحصول على ما يشبه المكسب الذي يمكن تقديمه إلى "حماس".

وضعت رسائل التعزية أنصار الحركة في مراجعة عامة واسعة

وفد "حماس" لم يسمع بشريات كبيرة. كل ما في الأمر أن ثمة وعوداً بتخفيف الحصار عن غزة لا رفعه. أردوغان طمأن مشعل إلى أن الميناء البحري سيأتي على أكف أوروبية وبوساطة من المبعوث الأممي الحالي، نيكولاي ملادينوف، الذي يحمل مع فريقه خريطة جاهزة وخططاً لإنشاء الميناء. لكن داوود أغلو لمّح إلى أن تخفيف الحصار يعني زيادة التسهيلات على المعابر الإسرائيلية مع غزة فقط، وهو ما يقترب من الواقع الملموس في تصرف تل أبيب مع القطاع منذ انتهاء الحرب الأخيرة صيف 2014.
أما القيادي في الحركة صالح العاروري، الذي حاولت وسائل إعلام تركية وفلسطينية نفي أن يكون خروجه شرطاً إسرائيلياً ستنفذه أنقرة على مضض، فإنه فعلياً صار خارج الأراضي التركية، تقول المصادر نفسها، التي تضيف أن العاروري (المتهم إسرائيلياً بتسيير عمليات في الضفة من الخارج)، موجود منذ أسبوعين في العاصمة القطرية الدوحة، وقد يتجه إلى بيروت.
وعن التبرير الذي قدمه الأتراك لـ"حماس" ونصحها بألا يعود العاروري إلى إسطنبول، فكان من جانب أمني، تحت شعار أنهم لا يستطيعون ضمان أمنه في ظل "تهديدات" حول حياته، لم يوضح الأتراك مصدرها، لكن مصدرها شكوى إسرائيلية وصلت إلى أدراج "حلف الأطلسي".
تلخص المصادر المطلعة أن ما يجري هو إخبار الحركة بالتفصيل صورة الوضع المقبل، وذلك لم يتسن بالمراسلة بل باللقاء المباشر، موضحة أن الاتفاق التركي - الإسرائيلي قيد التنفيذ واختبار النيات، مع وعود تركية بألا تكون غزة خارج الاتفاق. وتذكر أن "حماس" أشارت في حديثها مع المسؤولين الأتراك إلى أن تطبيع العلاقات ــ الذي أعلنه أردوغان صراحة ــ لن يكون في مصلحة تركيا أو الحركة في الوقت الراهن، على عكس ما قاله الرئيس التركي، عن أنه تطبيع سيخدم دول المنطقة ككل!
وفي أسوأ الأحوال، جرت المطالبة بألا تكون غزة هي محور الاهتمام التركي فحسب، بل أن يشمل ذلك الأوضاع في الضفة والقدس وما يتخذ من إجراءات بحق "الحركة الإسلامية" في الداخل المحتل.
المصالحة التركية - الإسرائيلية ليست التحدي الوحيد الذي يواجه "حماس" وخطابها الإعلامي وحالتها الشعبية راهناً. فبخلاف انقطاع العلاقة بسوريا وانعدام الأمل بعلاقات متوازنة مع كل من مصر واليمن والسودان والسعودية، وضع استشهاد الأسير اللبناني سمير القنطار في سوريا، الحركة أمام مراجعة عامة، أكبر من المراجعات الداخلية التي كان يحكى عنها في الصفوف القيادية.
ما جرى بعد اغتيال القنطار كان أشبه باختبار أخير للسياسة الخارجية للحركة أمام محور المقاومة ونظرة جمهورها إلى ذلك؛ وقد فجر جدال عنيف بعد بيانات التعزية الرسمية التي أطلقتها "حماس" على الصعيد السياسي، والبيانات العلنية والرسائل الخاصة التي أرسلتها ذراعها العسكرية "كتائب القسام"، إلى حزب الله، بدءاً من التعزية بجهاد مغنية، ثم بشهداء تفجيري برج البراجنة، وأخيراً بسمير القنطار.
التباين بين محتوى البيانات والتعازي السياسية، ومقابلها العسكرية، وضع الكتاب والإعلاميين والقاعدة الشعبية في "حماس" أمام أسئلة كثيرة، خاصة أن أحد بيانات "القسام" وصف الواقفين وراء تفجير الضاحية الأخير، بأنهم "خوارج العصر الحديث". وقد أتى كل ذلك بعد أيام قليلة على ما أثير بشأن العلاقة الحمساوية - التركية والتهاني المتتالية التي قدمت بفوز حزب أردوغان في الانتخابات البرلمانية، ثم إعلان الرئيس التركي نية بلاده العودة إلى تطبيع العلاقات بإسرائيل تطبيعاً كاملاً.
تقول مصادر فلسطينية سياسية من خارج الحركة، إن ما يفعله العسكر ليس انفصالاً عن واقع الممارسة السياسية لـ"حماس"، لكن "القسام" تتعاطى من منطلق أن الواجب هو الحفاظ على علاقة متينة بالجهة الوحيدة التي تدعمها بالسلاح وبالأموال وبالتقنيات العسكرية، فيما للسياسيين اختياراتهم، بشرط ألا تؤثر في طبيعة الدعم المقدم إلى الكتائب، وهو ما تحاول أن يحرص عليه المكتب السياسي.
عموماً، "حماس" في وضع لا تحسد عليه لجهة ضيق مجال المناورة في العلاقات الخارجية، في ظل وضع إقليمي أزاح القضية الفلسطينية عن مسار الأحداث، مع أن الهبة الشعبية الجارية تفرض نفسها على الأجندة الإسرائيلية. كذلك إن التغير التركي - الإسرائيلي الأخير يضعها تحت مقصلة السؤال عن الاصطفافات التي اختارتها الحركة منذ بداية الأزمة السورية... على أن "أخف الضررين" هو التأرجح بين الحبلين، القطري والتركي، والإيراني - حزب الله، ولعل ذلك ما يفسر التصريحات الأخيرة لقيادات في غزة، الأولى تناشد السعودية وتركيا وتحالفهما، والأخرى توجه النداء إلى إيران وحزب الله بدعم الانتفاضة.