موسكو تعلن 4 مقاطعات مناطق عمليات لمكافحة الإرهاب


ربى أبو عمو
كان قرار الرئيس الروسي، ديمتري مدفيديف، رفع نظام مكافحة الإرهاب في الشيشان في 16 الشهر الجاري، مفاجئاً، وإن استخدم عبارة «تحقيق النصر» لتبريره. إعلانٌ سبقه قبل أيام اغتيال شيشاني معارض، ذي نفوذ، في دولة الإمارات. حدثان يعودان بالأذهان إلى سلسلة حوداث يمكن وصفها بالإرهابية في الشيشان، التي تنسف إلى حد ما حجة روسيا الاتحادية هذه. إلّا أن روسيا سرعان ما بددت هذا الحجة، معلنة أربع مقاطعات شيشانية جبلية «مناطق عمليات لمكافحة الإرهاب».
منذ فترة قريبة، استأنفت النيابة العامة في الدائرة الفدرالية الجنوبية في روسيا، التحقيق الذي علّق قبل سنتين في قضية مصرع أحمد قاديروف والد الرئيس الشيشاني الحالي، في 9 أيار من عام 2004، بناءً على طلب الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، الذي قال إن «والده قتل على يد القائد السابق لكتيبة فوستوك، سليم ياماداييف»، الذي اغتيل في دولة الإمارات في 28 آذار الماضي، وهو أحد ألد أعداء قاديروف.
توقيتان متزامنان. قرار استئناف المحكمة أعقب عملية اغتيال ياماداييف (وكان شقيقه رسلان قد قُتل على مقربة من مقر الحكومة الروسية في العام الماضي). قد تكون صدفة. إلّا أن هذا الاغتيال يخدم الرئيس الشيشاني (نائب رئيس الوزراء هو أحد المتهمين بالعملية)، وخصوصاً أنه ليس «العدو الأول» الذي تجري تصفيته لمصلحة قاديروف.
في المقابل، يطرح قرار روسيا الاتحادية إنهاء العمليات العسكرية في هذا التوقيت بالذات، تساؤلات عن المغزى والهدف، في الوقت الذي سارع فيه قاديروف إلى التقليل من أهمية تقارير تحدثت عن احتمال وقوع هجمات إرهابية وشيكة في البلاد، مشدداً على أن الوضع الأمني في الشيشان مستقر وتحت السيطرة، علماً أنه بعد أيام على إنهاء العملية العسكرية، وقع انفجار أدى إلى مقتل ثلاثة جنود روس.
لم يلقَ القرار الروسي هذا رضى قوات الأمن الروسية العاملة في الشيشان، هي التي ترى وجود «ما يكفي ويزيد» من المتطرفين والإرهابيين، وأنه من السابق لأوانه إعلان النصر، إضافةً إلى استفادتها الاقتصادية من هذا الوجود. في المقابل، يقول الرئيس الشيشاني إنه قادر على التعامل مع ما بقي من إرهابيين في بلاده، وهم لا يزيدون عن «بضع عشرات».
هذه الثقة التي يتمتع بها قاديروف لا تلغي إعلانه في كانون الثاني الماضي، أن بعض الشبان المسلحين يتحدرون من عائلات المسؤولين في بلده. ظاهرة لا تبشر بالخير، إذ إن انتشار «الشباب المسلح» بين صفوف المسؤولين يمكن السيطرة عليه، ولكن ماذا عن العامة من الناس؟
من هنا، فإما أن يكون قرار موسكو نابعاً من قناعتها بالنصر حقاً، أو اتفاق «مهادنة» بينها وبين الرئيس الشيشاني في ظل خوفها من تجدد التمرد بشكله الواسع، وهي غير مستعدة له، أقله بسبب الأزمة المالية. ففي الشهور الأخيرة، كان البلاط الروسي يبحث إمكان الحد من نفقات وجوده العسكري في الشيشان، للتخفيف من عبء الأزمة المالية، إلّا أنه لم يكن واضحاً إن كانت هي الدافع الحقيقي لقرار كهذا.
هل حلّ «الأمن في الشيشان»؟ حتى لو أظهرت الإحصاءات انخفاض العنف تدريجياً في السنوات التي تلت الحرب الشيشانية الثانية، فإن هذا لا يلغي الانفجارات التي تقع بين الحين والآخر.
لذا، لا بد من الخوف من النتائج غير المضمونة. إذ يمكن أن يكون إعلان إنهاء هذه الحرب وبدء انسحاب القوات الروسية مجالاً لأن تعيد «الجماعات» تسليح نفسها والإعداد لعمليات جديدة، أو الالتحاق بـ«المتمردين» في جارتيها داغستان وأنغوشيا. إذ تقوم الدعاية الشيشانية على أنه يجب الحصول على استقلال الشيشان حتى لو استغرق ذلك إلى الأبد. ففي هذا البلد، يمكن تقسيم الناس إلى مجموعات؛ هناك المجموعة الموالية للرئيس الشيشاني السابق أحمد قاديروف وابنه رمضان، إلا أنها ترفض تطبيق النظام المركزي الذي فرضته روسيا.
وتوجد أيضاً «الغالبية الصامتة الشيشانية»، التي تخزّن في ذاكرتها مشاهد العنف، عدا عن «الجهاديين».
وحتى الآن، لا تزال تبعات إعلان إنهاء العمليات العسكرية غير واضحة. فهل سينسحب الجيش الروسي بالكامل، وتُلغى القيود المفروضة على الصحافيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان، ويلغى أيضاً حظر استخدام أجهزة الاستخبارات الإنترنت والهواتف المحمولة، أم يكون القرار مجرد رمي الطعم في مرمى «المتمردين». احتمالٌ لا يبدو مستبعداً مع إعلان السلطات الروسية أمس أربع مقاطعات شيشانية «مناطق عمليات لمكافحة الإرهاب»، وذلك رداً على «نشاط عناصر من حركات مسلحة غير شرعية»...
ربما على روسيا أن تستذكر كلام الروائي مايكل ليرمونتوف، إذ كتب في عام 1832، أن «إله الشيشانيين هو الحرية، وقانونهم هو الحرب».