شيئاً فشيئا، تتبلور ملامح المرحلة الخارجة من قلب الحدث الباريسي المدوّي، وتتضح الاتجاهات الدولية المبنية على هجوم «شارلي إيبدو»، التي بدأت تتظهر عملياً، إن من خلال إجراءات أوروبية «إاحترازية» أو عبر تصريحات لمسؤولين غربيين، ليست بعيدة عن سياقات الأحداث التي ستطبع مشهداً دولياً، يبدو أنه سيتبلور على وقع لازمة يعرفها العالم بأسره جيداً: «التصدّي للإرهاب والإرهابيين».


في هذا الاتجاه، شهد يوم أمس، تأكيدا مشتركا للولايات المتحدة ولبريطانيا على «التنسيق من أجل دحر الإرهاب». وتعهّد الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون، «إقامة جبهة موحدة ضد الجهاديين بعد الهجمات في فرنسا». وفي مقال مشترك نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية في عددها يوم أمس، وعد الرئيسان بـ «محاربة الأيديولوجيا المشوَّهة للإرهاب». وقبل وصول كاميرون إلى واشنطن للقاء أوباما مساء أمس، كتب الرجلان أن بلديهما سينسقان من أجل دحر الإرهاب، وأن «الأمن ضروري لصحة الاقتصاد»، مؤكدين «مواصلة العمل معاً ضد الذين يهددون قيمنا وطريقة حياتنا».

ميركل: معظم
الألمان ليسوا أعداءً للإسلام
ويتابع المقال المشترك: «عندما تعرضت الحريات التي نتقاسمها لاعتداء شنيع في باريس، رد العالم بصوت واحد»، قبل أن يقولا بنبرة اليقين: «سوف ندحر هؤلاء القتلة المتوحشين وفكرهم الذي يحاول تبرير قتل أبرياء».
وبالتوازي مع البعد السياسي الخارجي لكلام أوباما وكاميرون، كان للرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، توجه نحو سياق متمايز إلى حدّ ما، حيث أعلن هولاند، أمس، أن المسلمين في العالم «هم أول ضحايا للتعصب والتطرف وعدم التسامح»، وذلك في وقتٍ استُكمل فيه دفن بعض ضحايا اعتداءات الاسبوع الماضي، ولا سيما على مجلة «شارلي إيبدو». وفي معهد «العالم العربي» في باريس، قال هولاند إن التطرّف الإسلامي استفاد من «كل التناقضات وكل التأثيرات وكل البؤس وانعدام المساواة وكل النزاعات التي لم تلقَ تسوية منذ زمن طويل».
على المستوى الأوروبي، وفي ظلّ الحراك الذي تنظمه حركة «بيغيدا» المناهضة للإسلام في ألمانيا، وتبنّي المستشارة الأميركية أنغيلا ميركل سابقاً، الخطاب الذي يشدد على التفريق بين الإرهاب والإسلام، تعهدت ميركل يوم أمس، التصدي «لمروجي الفكر الاسلامي المتطرف والاسلاميين المتطرفين». وفي خطاب أمام البرلمان الألماني، قالت ميركل «سنحارب بشدة كل الذين يتفوهون بكلام حاقد ويرتكبون أعمال عنف باسم الاسلام والمتواطئين معهم والمنظرين للإرهاب العالمي باستخدام كل الوسائل التي في متناول دولة القانون». وأكدت أن للإسلام في ألمانيا المكانة نفسها التي تتمتع بها المسيحية واليهودية، مشيرةً إلى أن الدستور والقوانين تضمن أن يمارس الإسلام بحرية». كذلك، شددت على أنه «لن يجري تعريض مسلمي ألمانيا للاستبعاد، ولن يكونوا عرضةً للشبهات»، مشيرةً إلى أن الغالبية العظمى من الألمان «ليسوا أعداءً للإسلام».
من جهة أخرى، وغداة إعادة نشر «شارلي إيبدو» رسوما كاركاتورية للنبي محمد، التي لاقت استنكارات «خجولة» إلى حدٍّ ما، أعلنت وزيرة العدل الفرنسية، كريستيان توبيرا، أن «في فرنسا يمكن أن نرسم كل شيء حتى الأنبياء»، مشيرةً إلى الحق «في السخرية من كل الأديان». وذلك خلال مراسم تشييع أحد الرسامين الذين قتلوا في الاعتداء على الصحيفة.
من جهته، علّق البابا فرنسيس على موضوع الرسوم في صحيفة «شارلي إيبدو»، أمس، قائلاً إن حرية التعبير هي «حق أساسي» لكنها لا تعني «إهانة معتقدات الآخرين». وقال البابا، خلال مؤتمر صحافي، في الطائرة التي كانت تقله من عاصمة سريلانكا كولومبو إلى مانيلا، عاصمة الفيلبين «لا يمكن استفزاز أو إهانة معتقدات الآخرين، أو التهكم عليها». ومع تأكيده أن حرية التعبير «حق أساسي» إلا أنه قال إنها يجب أن تمارس «من دون إهانة الآخرين».
أما أنقرة التي تبدو اليوم كأنها من المعنيين الأوائل بالقضية الفرنسية، لرغبتها بريادة القضايا التي تمسّ الإسلام والمسلمين، فهي أعلنت، أمس، رفضها مصطلح «الإرهاب الإسلامي» الذي استخدمه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرةً إلى أنه «يتسم بالإسلاموفوبيا، في الوقت الذي حرص فيه قادة العالم البارزين، وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، على الامتناع عن ربط الأحداث الإرهابية التي شهدتها باريس، بالإسلام»، بحسب المتحدث باسم الرئاسة التركية، ابراهيم كالين.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول، رويترز)