مرّت العلاقات الأميركية السورية بالعديد من المحطات، وتأرجحت بين التأزّم والانفراج، حسب الظروف وحسابات الأطراف التي تلتقي حيناً وتختلف حيناً آخر.

وشهدت العلاقات السورية الأميركية تعثراً، خلال عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، الذي اتهمت إدارته سوريا بتغذية الإرهاب في العراق ولبنان وفلسطين، فانتهجت طريق الضغط، من خلال عدد من الخطوات، بدأتها في أيار 2004 حين فرضت عقوبات اقتصادية على سوريا، على خلفية دعم دمشق لمنظمات «إرهابية» مثل حزب الله اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية، وزعزعة استقرار لبنان، وتسهيل دخول عناصر مسلحة عبر أراضيها إلى العراق.
وتطور الأحداث في المنطقة، أدى إلى زيادة التوتر في العلاقات، فبعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005، استدعت واشنطن سفيرتها في سوريا مارغريت سكوبيي للتشاور، ومنذ ذلك الوقت حل محلها قائم بالأعمال.
وكان يبدو أن العلاقات بين البلدين في طريقها إلى الانفراج، مع إعلان سوريا رسمياً إقامة علاقات الدبلوماسية مع لبنان في 15 تشرين الثاني من العام الماضي، إلى جانب إجراء سوريا محادثات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطة تركيا، لكن الأمر تدهور فجأةً إثر قيام القوات الأميركية الموجودة في العراق بغارة في منطقة البوكمال السورية في 26 من تشرين الثاني العام الماضي، زاعمة أنها استهدفت «وكراً للإرهابيين»، ما أسفر عن مقتل 8 مدنيين، فكان أن أغلقت سوريا المركز الثقافي الأميركي والمدرسة الأميركية في دمشق كرد فعل.
ومع انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، بدأت سوريا ترسل إشارات عن استعدادها لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة، استهلتها ببرقية تهنئة وجهها الرئيس السوري بشار الأسد إلى نظيره الأميركي، حثه خلالها على انتهاج الحوار في الشرق الأوسط على أساس الاحترام المتبادل، إضافةً إلى تأكيدها تأكيداً متكرراً أن دمشق تتمتع بـ«عقل منفتح للحوار»، مؤكدةً أن «يد (سوريا) ممدودة» للسلام والتعاون وللحوار ولتصافح يد الرئيس الجديد.
وهذه الإشارات رد عليها أوباما، الذي اعترف بفشل سياسة الضغط التي اتبعتها إدارة بوش، بإعلان خطته للدخول في حوار مع خصوم الولايات المتحدة، وخصوصاً سوريا، مدركاً أنه إذا أراد تغيير الأوضاع في الشرق الأوسط فلا مفر من تحسين العلاقات مع سوريا.
ومن هنا تكتسب زيارة نائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، جيفير فيلتمان وعضو مجلس الأمن القومي الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، دانييل شابيرو، إلى دمشق، أهمية كبيرة كونها الزيارة الأولى لمسؤولين أميركيين إلى سوريا منذ نحو أربع سنوات.
ولكن يبقى أن لكل طرف أهدافه، من وراء هذه العلاقة، فالولايات المتحدة، تريد من سوريا أن توقف دعمها لحركة «حماس» و«حزب الله»، وتأمل أيضاً أن تنسحب سوريا من حلفها مع إيران، ما يسهم في زيادة عزلة طهران على أمل زيادة الضغط عليها، لتحسين موقع واشنطن في المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية، إضافةً إلى مساعدتها في ملف العراق، من خلال منع عبور المقاتلين الإسلاميين عبر حدودها، وفي ملفَي لبنان والمصالحة الفلسطينية الداخلية.
ومن جهتها، تأمل سوريا تخفيف الحظر الاقتصادي والدبلوماسي، اللذين فرضتهما واشنطن على دمشق، وتأمل أيضاً أن تسهم واشنطن في إعادة إطلاق عملية السلام، على أساس العودة إلى حدود ما قبل حرب الـ1967، معتبرةً أن السلام الشامل سيؤدي إلى انتفاء الحاجة إلى وجود مقاومة عسكرية ضد إسرائيل، رافضة التخلي عن حلفها مع طهران، طارحة نفسها وسيطاً بين الأطراف.
(الأخبار، أ ب)