المنظّمات الصهيونيّة جمّعت «مهاجري» العالم في مرسيليا


باريس ــ جلنار واكيم
تحت عنوان «آليا بيت» (هجرة اليهود إلى الأرض «المقدّسة»)، كشفت الجمعية اليهودية في فرنسا، من خلال معرض للصور والأشرطة التسجيلية المصوّرة، عن كيفية تنظيم الهجرة اليهودية إلى «أرض الميعاد» بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية. تفاصيل هذه المأساة، التي كان لفرنسا دور رائد فيها، تحدثت عنها الجمعية اليهودية في باريس، مستعرضة حركة الهجرة منذ البداية.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أنشئت مخيمات للاجئين في بريطانيا والنمسا وإيطاليا، حيث قامت الحكومتان البريطانية والأميركية بتأهيلها. وضمّت هذه المخيمات نحو مليون نازح، بينهم 250 ألف لاجئ يهودي. انطلاقاً من هذه المخيمات، بدأت الهجرة السريّة لسبعين ألف يهودي إلى فلسطين.
وقامت الحركة الصهيونية بتوسيع نشاطات كبيرة، إن كان على الصعيد السياسي أو على صعيد جمع مساعدات للبيت القومي اليهودي، والذي كان غطاءً لأعمال سرية كانت تحضّر لقيام الدولة العبرية.
أما اليهود الفرنسيون، فقد كانوا أقلّ من عانى في حملة التطهير التي تعرّض لها أقرانهم في أوروبا. فلم يكن لهم رغبة حقيقية في الهجرة من فرنسا. ولكنهم كانوا متضامنين إلى أقصى الحدود مع اليهود الذين انتقلوا للعيش هناك. وقامت عدة منظمات، منها الجمعية الإسرائيلية العالمية والمجلس الصهيوني، بالترويج لدولة إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، عملت هذه الجمعيات في الأعمال السرية، ونظمت إعلان الهجرة بالتعاون مع المحاربين اليهود التابعين لـ«حركة النضال اليهودي». كذلك قامت منظمة «الهاغانا» المتطرفة ابتداءً من عام 1945 بنقل مهاجرين من كل أنحاء العالم عبر مرفأ مرسيليا إلى فلسطين، وكانت تستأجر بواخر لذلك.
وبسبب مشاكل بين اليهود والبريطانيين، رفض أصحاب البواخر تأجيرها، خوفاً على سفنهم من الضرر أو الغرق. عندها اشترت المنظمة اليهودية بواخر من الولايات المتحدة، كانت قد استعملت خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت غالبية هذه البواخر قد صنعت لنقل البضائع أو الأسلحة، أي إنها لم تكن مصمّمة لنقل البشر تحديداً. غير أنها كانت تتوقف في أماكن يسهل خروج المهاجرين منها، مثل مرافئ نهاريا وتل أبيب ووادي روبين في فلسطين المحتلة. وكانت الجمعية تسرع بتوزيع المهاجرين في كل أنحاء فلسطين لتصعيب عملية ملاحقتهم، وكانت تعطيهم أوراقاً ثبوتية مزوّرة.
لقد أدّى الفرنسيون دوراً أساسياً في هذه الهجرة، التي لم تكن لتمرّ لولا موافقتهم. كانت هذه الهجرة تتمّ على الأرض الفرنسية، ومن مرفأ مرسيليا. بدا موقف الفرنسيين متناقضاً، من جهة وقفوا علناً ضد قيام دولة إسرائيل، ومن جهة أخرى قدّموا دعمهم لهذه الهجرة.
هذا الدور الفرنسي السرّي أكّده أول رئيس وزراء للدولة العبرية، ديفيد بن غوريون، في أيار 1945، بقوله «من المهم جداً أن نضم فرنسا إلى صف الصهيونية، إن كان على صعيد الحكومة أو الرأي العام الفرنسي».
بن غوريون كان يومها رئيس المنظمة اليهودية والمسؤول عن منظمة «ياشوف» التي تعنى بتوطين اليهود في فلسطين. كانت الهجرة أولوية بالنسبة إلى المنظمات اليهودية، وكان الهدف كسب اليسار واليمين في فرنسا. بالنسبة إلى الديغوليين، استعمل الصهاينة ورقة مديونية هؤلاء للمنظمات اليهودية، التي كانت أول من اعترف بحركة فرنسا الحرة، التي كان يديرها شارل ديغول.
هذا الدعم من الصهاينة للديغوليين استمر طوال فترة الحرب العالمية الثانية، وقد توطّدت العلاقات بين الحركة الديغولية والصهيونية بفضل وجود الكاتب ألبير كوهين في لندن على مقربة من الديغوليين المبعدين.
علاقة توطّدت أكثر مع زعيم الحركة الصهيونية في فرنسا، مارك غاربلوم، الذي كان مقرّباً من شخصيات أساسية في فرنسا، مثل الرئيس السابق لمجلس النواب، ليون بلوم، ومدير مكتب بلوم، المحامي أندريه بلوميل. كان هؤلاء يتعاونون على مختلف المستويات وبشكل رسمي وغير رسمي.
بالاضافة إلى توطيد العلاقات مع مسؤولين فرنسيين، خلقت «المنظمة الفرنسية لفلسطين العبرية» (تأسست عام 1946) جوّاً من التعاطف وسط الرأي العام الفرنسي، وجمعت عدداً كبيراً من المفكرين من كل الأطراف، يذكر منهم الكتّاب: جان بول سارتر، سيمون دو بوفوار، ريمون آرون والصحافي بيار مندس فرانس. وقد سهّلت هذه العلاقات عمل المنظمات اليهودية، إذ غضّت الحكومة الفرنسية النظر عن الهجرة التي كانت تتم على أراضيها؛ من جهة، سمحوا بشراء الأسلحة ونقلها عبر الأراضي الفرنسية إلى فلسطين. كذلك كان يتمّ تدريب الشبّان اليهود على استعمال الأسلحة في مخيّمات أمّنتها لهم السلطات الفرنسية.
في عام 1946، اشترت منظمة «الهاغانا «من الولايات المتحدة باخرة قدّمها يومها ضابط من الأندوراس وفريق من المتطوّعين الأميركيين واليهود. وصلت الباخرة إلى مرفأ مرسيليا يوم 12 حزيران، كما نقلت 175 شاحنة مهاجرين من كل أنحاء أوروبا إلى فرنسا. وعمل قنصل كولومبيا في مرسيليا الجنرال ديلانو على إعطائهم تأشيرات دخول. وغضّت السلطات الفرنسية، وبالتحديد وزير الداخلية إدوارد دبرو، النظر عن صحة التأشيرات.
واستمرت الهجرة السرية إلى فلسطين، إلى أن أعلن بن غوريون دولة إسرائيل في 14 أيار 1948.



الهجرة إلى «أرض الميعاد»وبين عامي 1924 و1927، هاجر 80،000 يهودي من بولندا لأسباب اقتصادية ومعيشية، فيما بلغ عدد المهاجرين من ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية 30،000 يهودي. وتوالت الهجرات، واستمرت قوافل اليهود تنتقل تارة سرّاً وطوراً علانيّة نحو أرض فلسطين، ليصل العدد إلى 200 ألف مهاجر ما بين الحربين العالميتين.