باريس ــ بسّام الطيارة

صحيح أنّ العاصفة الثلجية التي ضربت فرنسا، سمَّرت حركة الطيران في المطارات ومنعت أي طائرة من الإقلاع أو الهبوط، إلا أنّها لم تمنع الرئيس نيكولا ساركوزي من استقلال طائرته الرئاسية، والتوجه نحو المنطقة العربية وتحديداً الخليج.
زيارة تشمل 4 دول هي، إضافة إلى العراق، سلطنة عمان والبحرين والكويت، بهدف تعزيز موقف فرنسا في هذه البلدان الخليجية الثلاث، التي ترى الرئاسة الفرنسية أنّها «أهملتها قليلاً».
وشدّدت الأوساط المقربة من ساركوزي على أهمية الزيارة العراقية التي تأتي «مباشرة بعد انتخابات ديموقراطية»، كرست عودة السلم نسبيّاً إلى العراق.
ويذكر الجميع أن العلاقات بين بغداد وباريس قديمة جداً، «وتعود إلى عصر هارون الرشيد» الذي تواصل مع الإمبرطور شارلمان الكبير، وأرسل إليه هدايا عام ٨٠١ وأول سفير عام ٨٠٧. كما أنه منذ عقود ما قبل الاحتلال الأميركي، كان مستوى العلاقات التجارية بين البلدين مهمّاً جداً، وكذلك التعاون العلمي والعسكري. ورغم كل ذلك، لم يطأ أي رئيس فرنسي أرض بلاد الرافدين، علماً بأن الزيارة الوحيدة التي قام بها الرئيس صدام حسين، كانت وجهتها باريس، حين وقّع عقد شراء المفاعل النووي «أوزيراك» الذي قصفته إسرائيل عام ١٩٨١.
وتندرج رحلة ساركوزي العراقية في «سياق زيارات منظّمة مسبقاً» إلى المنطقة، وفي خانة التشديد على «دعم العملية الديموقراطية»، وفي ظل استعداد القوات الأميركية للانسحاب من المدن بعد خروج جورج بوش من البيت الأبيض، وإعلان باراك أوباما «قطيعة» مع سياسات سلفه إزاء المنطقة، والانسحاب الكامل من العراق بحلول عام ٢٠١١.
ومن الطبيعي أنّ ساركوزي، الذي أعلن من بغداد «عرض التعاون إلى أقصى حدود»، ينظر نحو «سوق الاستثمارات» العراقية بحدّ أقصى من الاهتمام، وخصوصاً في مجالات النفط، بعدما فرضت واشنطن «حصرية في حصد العقود» لتدفيع باريس ثمن معارضتها الغزو، على حدّ تعبير مسؤول في غرفة التجارة الفرنسيّة لـ«الأخبار».
وفي طليعة كبريات الشركات المؤهلة «لعودة سريعة»، شركة «توتال» التي تخطّط لتقديم عروض لتطوير المنشآت النفطية العراقية.
رمزية الزيارة، وأبعادها المصلحية، يجب ألّا تخفي حقيقة أنّ وزير الخارجية برنار كوشنير، هو الرجل السياسي الفرنسي الوحيد تقريباً «الذي أيّد تدخل الولايات المتحدة» خارج إطار قرار دولي عام 2003. كما أنه لا بدّ لرئيس الوزراء نوري المالكي أن يذكر أن كوشنير كان قد دعا مرة إلى «استبداله» في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، قبل أن يقدم إليه اعتذاراً.
كما أنّ علاقات كوشنير مع العراقيين تحمل «أبعاداً داخلية»، إذ إنه بنى منذ وسط الثمانينات علاقة خاصة مع الرئيس جلال الطالباني، ودعم تحرك الأكراد لنيل «نوع من الاستقلال»، وكثيراً ما يُنقل عنه دعمه خيار الفدرالية في بلاد الرافدين، بما أنها «يمكن أن تكون حلاً لبعض ما يمر به العراق».
أمّا في عمان والبحرين والكويت، فسيجري ساركوزي محادثات وسيوقّع اتفاقات، رغم أنّ الإليزيه أعلن أنها لن تكون «عقوداً كبيرة»، مشيراً إلى هدف الزيارة الأساسي سيكون «تعزيز الوجود الفرنسي في المنطقة».
واعترفت الرئاسة الفرنسية بأنّ هذه الرحلة «نقطة انطلاق أكثر من كونها نتيجة»، مضيفة «لقد غبنا طويلاً عن هذه المنطقة ونريد إعادة بناء ما أهملناه قليلاً».