الفوز الانتخابي الساحق لحركة «سيريزا» اليسارية في اليونان يضعها أمام امتحان تنفيذ وعودها الانتخابية؛ إذا تهاونت، فسوف تدخل اليونان في عهد مظلم من انعدام الثقة واليأس، وما ينجم عنهما من تفاعلات قد تهدد بانفراط البلد، وسقوط الاستقرار الأمني، وتنامي الفاشية. اليونانيون الذين دخلوا التاريخ العالمي من بوابة الاقتراع لليسار الراديكالي، سيكونون على موعد مع انفجار مجتمعهم إذا لم تسر سيريزا قدما في المواجهة مع النيوليبرالية والدائنين، أي مع الرأسمالية الغربية.


في هذه الحالة، ستكون اليونان قد خسرت فرصة الاتحاد المجتمعي القومي لمصلحة التفكك؛ هذه الفرصة الشاقة ليست مفروشة بالورود، طبعاً، بل بالمزيد من المتاعب. إلا أن الفارق يتجلى بين متاعب ناجمة عن إعادة البناء والتحدي القومي وتجديد الهوية الثقافية، ومتاعب تحدث في ظل انغلاق الأفق والضياع والمهانة. اليونان تنتمي، حضاريا، إلى العالم الشرقي بتعريفه الواسع. إنها بلد أرثوذكسي في النهاية. هنا، في هذا المناخ، تنشأ ميكانزمات غير متخيلة في المنطق الغربي؛ فالعقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، وحرب أسعار النفط ضدها، لم تؤديا، برغم ما حمّلته للروس من أعباء اقتصادية، الى تراجع في شعبية الرئيس فلاديمير بوتين؛ على العكس، صعدت شعبيته وازدادت قوة قبضته على السياسات الاقتصادية والمالية، بينما يبدي 80 بالمئة من شعوب روسيا، استعدادها لاحتمال المزيد من الآلام المعيشية، لقاء الشعور بالعزة القومية، والشعور بالانتماء إلى أمة تصنع التاريخ والمصير.

من الواضح أن الغرب الذي
عجز عن فهم روسيا، سوف
يعجز عن فهم اليونان

اليونان، اليوم، على موعد مع صنع التاريخ؛ ومن الواضح أن الغرب الذي عجز عن فهم روسيا، سوف يعجز عن فهم اليونان، التي تتجه إلى هزّ عرش الرأسمالية الغربية ونظامها المالي الدولي من خلال التمرّد على قيود المديونية؛ لن يقبل الدائنون، العرض اليوناني السلمي الفوائد أو إعادة هيكلة الدين على مدى زمني ملائم للاحتياجات اليونانية؛ هكذا، سينشب الصراع بين أثينا من جهة، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من جهة أخرى، حول السداد والفوائد وبرنامج التقشّف الذي يفرضه صندوق النقد الدولي لضمان مصالح الدائنين؛ فالمقصود بهذا البرنامج في اليونان، كما في كل مكان آخر، اخضاع الاقتصاد الوطني لمتطلبات الرأسمالية الغربية، والسحق المعيشي للأغلبية الشعبية، بما يؤمن تدفق فوائد الدين للدائنين الذين استعادوا، بالاقساط والفوائد، أكثر مما دفعوه من قروض.
اليونان، إذاً، أمام خيارين: اليأس والتفكك، أو المواجهة؛ في حالة المواجهة، فالتجربة اليونانية سيكون لها آثار عالمية.

تجديد التحدي الديموقراطي

المستوى الأول لتأثير المسار اليوناني يتمثل في تجديد معنى التحدي الديموقراطي في اوروبا؛ فبعد عقود من ستاتيكو انتخابي يأتي، تقليديا، باليمين أو يمين الوسط أو يسار الوسط «الاشتراكي»، وكلها بيروقراطيات ونخب حزبية معدة لادارة الدول لمصلحة الرأسماليين، تحت هيمنة المشروع النيوليبرالي القائم على الخصخصة، وتحطيم البنى الانتاجية الوطنية وعولمة السوق والتخلي عن الدور الاقتصادي الاجتماعي للدولة، ما انتقل بالفئات الشعبية إلى التخلي عن الأمل الديموقراطي، أعاد نجاح اليسار الراديكالي اليوناني في الانتخابات على أساس برنامج اجتماعي جذري مضاد للتقشف وينص على أولوية تأمين الوظائف وزيادة الحد الأدنى للأجورـ التحدي الديموقراطي إلى جدول أعمال الشعوب الأوروبية.
على الفور، انتشر ذلك الأمل الديموقراطي في ايطاليا واسبانيا والبرتغال، لكنه سوف يتسلل، أيضا، إلى فرنسا كبديل عن اليمين التقليدي والاشتراكية اليمينية والفاشية، ومن فرنسا إلى كل البلدان الأوروبية، سوف تندفع قوى اجتماعية شعبية كانت مجمدة سياسيا إلى المشاركة السياسية الكثيفة، ما سيمنح اليساريين الراديكاليين فرصا غير مسبوقة في الانتخابات النيابية والرئاسية.
نحن، إذاً، أمام استحقاق أوروبي سوف يهز عروش النيوليبرالية، ويفرض على الرأسماليين، من جديد، التوجهات الكنزية التي سادت بعيد الحرب العالمية الثانية، وركزت على التوسع في دور الدولة الاقتصادي الاجتماعي وتطوير التأمينات الاجتماعية.

اليونان وروسيا

المعركة التي تنتظرها اليونان مع الغرب، سوف تقودها، موضوعيا، إلى التحالف مع روسيا؛ يمكن للدولتين تنظيم علاقات اقتصادية تخفف من أعباء الديون والعقوبات، وتفتح الباب واسعا أمام امكانية المضي خطوة أخرى في طريق المحور الأرثوذكسي العالمي؛ العداء الغربي لروسيا والمواجهة مع اليونان والعدوان على شرقي أوكرانيا الروسي وذكريات العدوان على يوغسلافيا الخ، سوف تدفع بالأرثوذكسية كخيار بديل في صراع الثقافات الذي يفرضه الغرب بالنهب والعدوان؛ لدى روسيا ما تقدمه لليونان في الحقل الاقتصادي ـ ومن ذلك النفط مقابل البضائع او حتى السياحة ـ ولدى اليونان ما تقدمه، استثماريا، للروس والصينيين في مرحلة اعادة البناء اللاحقة، إضافة إلى ما يمكن لليونان اليسارية المستبعدة من أوروبا، أن تقدمه، جيوسياسيا، لموسكو التي تقاوم مساعي الغرب لضرب صعودها كقوة عالمية.
أشكال التعاون الاقتصادي بين روسيا واليونان، عديدة، إلا أنه علينا أن نتذكر، هنا، الامكانات الضخمة للاستثمارات الصينية التي لن تخضع، في ظل التحولات السياسية اليونانية، لقيود أو منافسة أوروبية، فيما تؤمن موسكو لبكين، المناخ السياسي الملائم للتوسع في بلاد الإغريق.
في الواقع، لا تغامر اليونان بتحديها للغرب بالمضي في طريق مسدود؛ بالأساس، لم يكن اتجاهها يسارا ليتحقق أو ليكون ذا وزن فاعل، لولا ما يشهده العالم منذ مطلع العشرية الثانية من انقسام في السياسة الدولية بين محورين؛ هذا الانقسام، برغم أن موازين القوى التي تحمله لم تنضج بعد، إلا أنها غدت تتيح لدولة في حجم اليونان أن تتجه يسارا.
الخيار الروسي لليونان هو خيار موضوعي وطريق اجباري، مثلما يمثل عودة للشرق وتحديدا للحضن الأرثوذكسي؛ وهذه النقطة الأخيرة، سوف تحتاج إلى مبادرة كنسية؛ فهل يلعب بطريرك موسكو وسائر روسيا، كيريل الدور الذي لعبه في تأمين الغطاء الأيديولوجي للتحالف مع سوريا؟ هناك مصاعب ناجمة عن وجود خلافات بين الكنيستين، الروسية واليونانية، لكن فرص التقارب والتضامن، عالية، وتفرضها المصالح القومية للشعبين.

العثمانية الجديدة في مواجهة اليونان اليسارية

في سيناريو تفاقم الصراع بين اليونان والغرب، سوف تتجه التطورات إلى تجميد واقعي لعضوية أثينا في حلف شمال الأطلسي، وربما يتبلور اتجاه يوناني إلى الخروج من ذلك الحلف؛ في هذا المناخ، سوف تسترد تركيا وظيفتها التقليدية في كبح اليونان عن السير نحو اليسار، وهي امكانية تكررت في تاريخ اليونان الحديث.
تركيا أردوغان، بأساطيرها وترتيباتها وسياساتها الماضية نحو استعادة العثمانية انطلاقا من سوريا، جاهزة لتلعب الدور العدواني نفسه في اليونان الذي كان هو الآخر مستعمرة عثمانية ، وبقي الأتراك، وما زالوا، ينظرون إليها كعدوّ. وعلى الشاطيء المقابل، هناك سواحل البلد الذي تشن عليه الامبريالية والرجعية العربية والعثمانية، منذ اربع سنوات، حربا ضروسا لاخضاعه لإرادة الغرب وحلفائه؛ سوريا صمدت في ظروف استثنائية، لا تعانيها، ولن تعانيها بلاد الإغريق التي سوف تنظر إلى دمشق، عبر البحر الأبيض المتوسط، كحليف.
ربما لا يغير اتجاه اليونان يسارا، بصورة مباشرة، موازين القوى في الحرب السورية، ولكنه يفتح الطريق أمام تغيرات إقليمية ودولية، تعزز مواقع الدولة السورية التي يمكنها أن ترى، بوضوح، أن صبرها وصمودها، سنة بعد أخرى، لا يحدث في فراغ، وانما يحصد، باستمرار، نتائج حركة التاريخ باتجاه هزيمة الهيمنة النيوليبرالية وانتصار التعددية القطبية. صمود سوريا يراكم على المستويين الإقليمي والعالمي عناصر القوة الناجمة عن تفاعلات الحرب السورية وأزمة الرجعية العربية، كما عن تفاعلات الانقسام الدولي وتداعيات أزمة الرأسمالية النيوليبرالية في الأطراف الأوروبية.
اليونان يسارية. عنوان ربما يكون ساطعا لصفحة جديدة من تنامي قوة الحلف العالمي المضادّ للغرب، ومدماكا جديدا في الصمود السوري؛ لكنها قد تكون عنوانا لولادة بؤرة جديدة لمؤامرات غربية في تصدير الفوضى والعنف والفاشية إلى بلاد ولدت الديموقراطية على أرضها قديماً؛ وها هي تجدد ولادتها في القرن الحادي والعشرين.