طرحت نتائج الانتخابات اليونانية الأخيرة إشكاليتين رئيسيتين، مثلتا محور تجاذبات أوروبية خلال الأعوام الماضية: دور ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي (مجموعة العملة الواحدة)، وسياسات التقشف.

في كتاب نشر عام 2013، يرى عالم الاجتماع الألماني، اولريش بيك، أن اوروبا بوجهها الحالي «أصبحت ألمانية»، داعياً إلى عقدٍ اجتماعي أوروبي جديد يرمي إلى وضع حد لهذا التوجه الذي يرى بيك أنّ ما أوصل إليه هو «الميركيافيلية»، في إشارة إلى المستشارة الألمانية انجيلا ميركل (بحسب عرض قدمه الصحافي الفرنسي، لودوفيك لامان ــ موقع ميديابارت).

ويشير بيك إلى أنّ القوة الألمانية الجديدة لا ترتكز على «اللجوء إلى القوة كملاذ أخير. لا تحتاج إلى الأسلحة لفرض إرادتها على بقية الدول... هذه القوة الجديدة مبنية على الاقتصاد، وتمتلك عدداً من هوامش المناورة».
ليس عالم الاجتماع الألماني (صاحب نظرية مجتمع المخاطر/ة ورحل بداية العام الحالي)، الوحيد الذي يقلقه الحضور الألماني أوروبياً. الباحث الفرنسي ايمانويل تود (مثلاً)، ينتقد بدوره «طاعة» بلاده لبرلين، إضافة إلى ما يراه من «سلطوية» ألمانية داخل الاتحاد الأوروبي.

تسيبراس: شعبنا يعاني
ويطالب بالاحترام ونعمل
دفاعاً عن كرامتنا

في مجال السياسات المالية والاقتصادية، توجّه الاتهامات الرئيسية إلى برلين لكونها دعمت التوجهات الساعية إلى تثبيت الاستقرار في الاتحاد الأوروبي عبر الاعتماد على رؤية خاصة بالنمو الاقتصادي ترتكز على التقشف ــ الذي يؤدي فعلياً إلى خفض نسب الوظائف والمداخيل. وترمي السياسات المتبعة إلى تقليص العجز في الدول الأوروبية إلى ما دون نسبة ثلاثة في المئة من إجمالي الانتاج المحالي، ونسبة المديونية إلى ما دون الستين في المئة من إجمالي الناتج المحلي. لكن، اليوم، ما الرابط بين توجهات برلين وما حدث في اليونان؟
خلال الأسابيع الأخيرة، تابعت أوروبا، بمجملها، وبرلين خصوصاً، الانتخابات اليونانية على اعتبار أنّ القضية الرئيسية تتمثل في احتمال وصول حزب سياسي إلى السلطة يرفض، أساساً، سياسات التقشف المفروضة على بلاده، مع ما تنتجه من تداعيات سلبية على اقتصاد البلاد، كما يرفض اللجوء إلى الإصلاحات البنيوية (الهيكلية). ومنذ عام 2009، مثلت برلين الدعامة السياسية لبرامج «الإنقاذ» التي قدمتها «ترويكا» الدائنين لدول مثل اليونان، البرتغال، اسبانيا، أو حتى قبرص أخيراً. وليست تلك التوجهات بعيدة عما اعتُمد لاحقاً من سياسات مالية واقتصادية ضمن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وفقاً للنظرة الألمانية.
ومع وصول حزب «سيريزا» إلى السلطة في اليونان، وما خلقه من إشارات تدفع إلى التغيير أوروبياً، فإن الصراع السياسي مع برلين وبروكسل بدأ فور تأليف الحكومة الجديدة أول من أمس، التي ضمت في صفوفها وجهاً مستفزاً هو وزير المالية يانيس فاروفاكيس.
وأمس، طالبت الحكومة اليونانية الجديدة بالتوصل الى «اتفاق جديد مع اوروبا» بشأن النمو في منطقة اليورو، نافية انها تحاول خلق «مواجهة» مع اوروبا بشأن خططها لإعادة التفاوض على ديونها. وقال وزير المالية الجديد: «لن تحدث مواجهة بين حكومتنا والاتحاد الأوروبي. ولن تُطلق تهديدات، فالمسألة ليست مسألة من يتنازل أولاً».
بدوره، صرّح رئيس الوزراء اليوناني الجديد، اليكسيس تسيبراس، بأن اليونان ترغب في «حل عادل ومفيد للطرفين» مع شركائها الاوروبيين حول الديون الهائلة للبلاد، التي تمثلّ نحو 170% من اجمالي الناتج الداخلي اليوناني، وجعلها قابلة للتحمل اجتماعيا. إلا أن تسيبراس اكد خلال اول جلسة للحكومة الجديدة، في اثينا أمس، أن القيادة الجديدة لليونان لم تعد مستعدة لمواصلة «سياسة الخضوع». وقال «شعبنا يعاني ويطالب بالاحترام... وعلينا ان نعمل دفاعاً عن كرامتنا». وللإشارة، ففي خطوة اخرى أثارت مخاوف الاسواق، أوقفت الحكومة خصخصة ميناء بيريوس، الاكبر في البلاد، الذي تخطط شركة «كوسكو» الصينية العملاقة للشحن البحري لتحويله الى مركز شحن بحري أوروبي جديد.
الحد الأقصى الذي يتخوف منه الجميع هو احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو ومن الاتحاد الأوروبي، فيما من المرتقب، أيضاً، معرفة مدى استثمار حكومات مثل الإيطالية والفرنسية في واقع وصول حزب من أقصى «العائلة اليسارية» للحكم، في تعاملها مع بروكسل وبرلين.
وحتى يوم أمس، كانت البراغماتية هي الطاغية في العلاقة بين أثينا وشركائها الأوروبيين، الذين يكتفون بالإعلان أن على اليونان «التزام تعهداتها السابقة».
عموماً، وبانتظار بدء المفاوضات الفعلية بين الطرفين، فإن ما أشار إليه وصول «سيريزا» إلى السلطة، هو إخفاق المؤسسات الأوروبية في التعامل مع الأزمات المالية، والاقتصادية، التي بدأت بالظهور فعلياً قبل نحو ست سنوات. وقبل معرفة طبيعة المرحلة المقبلة ومستقبل العملة الموحدة، على المدى البعيد، فإن من المهم إلقاء الضوء على أنّ إحدى القضايا المركزية اليوم تتمثل في أنّ احتمال نجاح أثينا في مفاوضاتها المقبلة لا بد أن يوجّه ضربة جديدة إلى ركائز السياسات النيوليبرالية، وربما، إعادة إحياء المفاهيم الاقتصادية إلى قلب الصراعات السياسية. كل ذلك، في وقت ذهب فيه البعض إلى حد التشبيه بين اليونان اليوم وتجربة دول أميركا اللاتينية.
(الأخبار، أ ف ب)




"المفوضية": لا إلغاء للديون

في حديث خاص إلى صحيفة "فيغارو" الفرنسية، قال رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، مساء أمس، إنه "لن يكون هناك بحث في إلغاء (حذف) الديون اليونانية؛ بقية دول اليورو لن تقبل بذلك". وأضاف أن "نقطة الانطلاق (للمفاوضات) هي القواعد التي جرى تثبيتها في الاتفاق المشترك بين اليونان والاتحاد الأوروبي".
وأوضح يونكر أنه منفتح على الحوار، مضيفاً أنه أجرى اتصالاً يوم الاثنين الماضي برئيس الوزراء اليوناني الجديد، اليكسيس تسيبراس، وأن الأخير قال له إنه "لا يرى أنه يمثّل خطراً، ولكن تحدياً لأوروبا. أما أنا فرددت عليه بالقول إن أوروبا ليست خطراً على اليونان لكنها تحدٍّ".
وتابع في حديثه إلى الصحيفة الفرنسية، قائلاً إن "اعتبار أن عالماً جديداً نشأ بعد اقتراع الأحد، ليس صحيحاً"، مشيراً إلى أنه يمكن التوصل إلى ترتيبات جديدة "ممكنة" دون أن يأثر ذلك "جوهرياً" على ما هو موجود.
(الأخبار)