قالت أصوات «اللاتينوس» كلمتها خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية، وانتخبت «مرشح التغيير» باراك أوباما. ولهذه الأصوات امتدادات إلى داخل الجزء الجنوبي من القارة، الذي سيلقى انفتاح الرئيس المنتخب على الـ «أنتي بوش» ترحيباً منه


بول أشقر
نجح الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما في رهانه على صوت «اللاتينوس» وكان فوزه بهذه الأصوات ضرورياً لتحاشي حشره في خانة المرشح الأسود في أمة باتت ثاني بلد للناطقين بالإسبانية في العالم بعد المكسيك، وقد يرتفع عددهم إلى 132 مليوناً عام 2050.
وحصل أوباما على ثلثي أصوات اللاتينوس، وكان ذلك مفاجئاً واستثنائياً، إذ إن «السود واللاتينوس لا ينتخبون بعضهم بعضاً». حتى إنه خطف ولاية فلوريدا، معقل الكوبيين الجمهوريين، بعدما نال أصوات 57 في المئة من اللاتينوس، و37 في المئة من أصوات الكوبيين فيها، في إشارة إلى أن الكوبيين أصبحوا أقلية بين اللاتينوس في الولاية، وفئة غير قليلة من الكوبيين أنفسهم تغيرت وصارت تفضل التعاطي مع الجزيرة على مقاطعتها.
«اللاتينوس» مسألة داخلية أميركية، لكن ماذا عن علاقة أوباما بأميركا اللاتينية؟ يجهل أوباما المنطقة، فهو لم يسافر أبعد من المكسيك، إلا أن هذا لم يمنع أن 90 في المئة من شعوب المنطقة فضّلوه على منافسه الجمهوري جون ماكاين، مع الأخذ بالاعتبار أن نصف المستطلعين لم يفضّلوا أحداً لأنّهم رأوا أن النتيجة لن تبدّل شيئاً في حياتهم، فقط «القليل من الفرح في العقل الصامت لكل واحد منا»، كما قال الرئيس البرازيلي لويس ايغناسيوس لولا دا سيلفا، عندما كشف عن تفضيله وصول الرجل الأسود إلى البيت الأبيض.
وينسب المراقبون هذا الأمر إلى عدم اهتمام الرئيس جورج بوش بأميركا اللاتينية، فالأكيد هو أن حقبة بوش أوصلت شعبية الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها التاريخية فيها، فيما ترافقت مع وصول موجة من الحكومات اليسارية لوّنت الجزء الأكبر من الشطر الجنوبي لأميركا اللاتينية. وبعد فشل خطط الولايات المتحدة الاقتصادية، مشروع السوق الأميركية المشتركة الذي دفن في قمة مار ديل بلاتا عام 2005، والسياسية، محاولة شق الحكومات اليسارية بين معتدلة ومتطرفة، عرف النفوذ الأميركي السياسي تراجعاً مذهلاً،
لا تعبير أفضل عن ذلك من اجتماع رؤساء أميركا الجنوبية للتضامن الجماعي مع رئيس بوليفيا، إيفو موراليس، بعدما طرد قبل أيام قليلة سفير واشنطن. يقع على عاتق أوباما الآن الفصل بين ما هو معادٍ لبوش وما هو معاد للولايات المتحدة، قبل قمة الأميركيات في نيسان.
ويرى البعض أن «التغيير» الذي حصل مع أوباما، بدأ في أميركا الجنوبية. من لولا «المخرطجي» إلى إيفو «الهندي». لقد سبق أن وصلت فئات وشرائح كانت منبوذة من نظام النخب في بلدها، بعدما أفلست النيوليبرالية التي استأجرت أميركا الجنوبية في السبعينات مختبراً لأفكارها قبل عقد من الزمن. لن يجد الرئيس الجامعي والمنفتح صعوبة في استيعاب «التغيير» الذي حصل والتأقلم معه بلباقة وإعادة البناء على أنقاض الفضيحة التي تركها بوش الابن.
لذلك، ومن دون أن تكون أولوية لدى رئيس محاصر بتعقيدات الأزمة الاقتصادية والحروب المتراكمة، قد تتحول المنطقة إلى متنفس له لبلورة أشكال جديدة من التعاون أو إلى مسودة لـ «التفاوض مع الأعداء»، كرئيس فنزويلا هوغو تشافيز أو كوبا مثلاً. الأكيد أن وصول أوباما، يُنهي دور الـ«أنتي بوش» الذي تقمّصه تشافيز. أما حصار كوبا، الذي ينذر بالتحول إلى مسألة قارية ولم يعد يلقى تأييداً حتى في الداخل الأميركي، فسيعرف تطورات ولو بطيئة في البداية.
في الحالتين، مسألة الطاقة التي برزت بقوة في الحملة الرئاسية، ستكون حاضرة لتحديد وتيرة هذه المسارات من خلال سعر النفط المتدني بالنسبة إلى فنزويلا واكتشاف موارد مهمة في خليج كوبا.
الوضع مختلف في الشطر الشمالي من أميركا اللاتينية، التي تحولت لأسباب جغرافية واقتصادية، خلال العولمة الفالتة، إلى مساحة وظيفية للولايات المتحدة. وفي ما يتعلق بملف «مكافحة المخدرات»، الذي يمثل ركناً للسياسة الأميركية في أميركا اللاتينية منذ رونالد ريغان، فقد غطت الأزمة المالية على هذا الملف، الذي يستهلك مبالغ أميركية هائلة في كولومبيا والمكسيك. وعبّر الرئيسان المكسيكي كالديرون والكولومبي تلاسن أوريبي عن تفضيلهما لماكاين خلال الانتخابات التمهيدية. ويأتي انتخاب أوباما فيما يضع أوريبي اللمسات الأخيرة لإعادة انتخابه لولاية ثالثة.
أما الجارة الكبيرة المكسيك، فهي تحترق بحروب المخدرات وتنزف بالانكماش الأميركي، وبالتأكيد لشعبها ترجمة خاصة لما يعنيه أن يكون «الأميركي الوسيم» قد حقق طموحه.