Strong>البابا وجد في ساركوزي حليفاً... وتجنّب ذكر كارلا بروني

العلمانية والدين، جدال قديم في فرنسا، أعادته زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر، ولا سيما بعد التقارب في المواقف الذي ظهر مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي عدّه مراقبون حليفاً لسيد الفاتيكان

لورد ــ بسّام الطيارة
من خطف صورة من؟ هل ركب الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، موجة البابا بنديكتوس السادس عشر لكسب أصوات الكاثوليك؟ أم أن البابا انتزع من رئيس فرنسا بعض الكلمات التي تفسح للدين مجالاً إلى جانب العلمانية؟ ثم ماذا يقول المواطن الفرنسي عموماً وما رأيه في «هذا البابا» الذي يتناقض كثيراً مع البابا يوحنا بولس الثاني الذي احتل حيزاً لديهم بسبب «انفتاحه وتقدميته»؟
أسئلة كثيرة حملتها الصحافة الفرنسية في عطلة نهاية الأسبوع لتغطية حدث زيارة البابا الذي ترأس أمس قداس ساحة الأنفليد، حيث احتشد آلاف المؤمنين لسماعه. التعليقات السياسية كانت متشابهة وتناولت بمعظمها «العلاقة بين العلمانية والدين» والربط الذي يريده ساركوزي عبر «إيجابية العلمانية»، ليقول إنها تفتح الباب أمام الدين ولا تغلقه.
زعيم المعارضة الاشتراكية فرنسوا هولاند قال يوم السبت «لم يعد هناك علمانية إيجابية أو سلبية، منفتحة أو مغلقة، متسامحة أو متعصبة. هناك علمانية. إنه مبدأ جمهوري». أما الزعيم الوسطي، فرنسوا بايرو، فأعرب عن أسفه لـ«خلط الأمور بين الدولة والدين».
الصحافة عموماً رحبت بالبابا ورأت أنه «ضبط كلماته» مراعاةً للفرنسيين العلمانيين وللجاليات الفرنسية من ديانات أخرى، رغم أن بعضها ركز على التمييز بين استقبال الجالية اليهودية في مقر السفير الرسولي، بينما التقى الجاليات الأخرى ضمن «الوفود الثقافية». إلا أن الإجماع كان يصب على التفاعل الإيجابي لدى الشباب والشابات.
وبعيداً عن ردّات فعل السياسيين والتناول الإعلامي، كان البابا قبل مغادرته باريس قد ترأس السبت قداساً في باحة الانفاليد في وسط العاصمة الفرنسية أمام ٢٦٠ ألف شخص، حسب تقديرات الشرطة والمنظمين، قبل أن ينتقل إلى الجنوب ليسلك «درب اليوبيل» الذي يرمز إلى حياة راعية فقيرة قيل إن مريم العذراء ظهرت عليها قبل 150 عاماً.
وبالرغم من المطر، استُقبل البابا بحفاوة كبيرة. ومكث طويلاً في مغارة ماسابييل، حيث يعتقد أن مريم العذراء ظهرت ١٨ مرة على الراعية. وأسرّ البابا لبعض الصحافيين أن «التماس هذه الحقيقة وهذا الحضور للعذراء في زمننا، ورؤية آثار هذه الفتاة الصغيرة التي كانت صديقة العذراء ومن جهة أخرى التقاء السيدة العذراء هو بالنسبة إلي حدث مهم جداً».
وتحدّث البابا، أمام عشرات الآلاف، عن الذين يعانون المرض والبطالة أو وضعهم كمهاجرين. وأطلق رسالة رآها البعض بسيطة مبنيّة على أن «المحبة تكفي». كلمة «لا تخافوا» رددها مراراً أمام الشباب والشابّات لدعوتهم إلى الكنيسة؛ فالدعوات الدينية تسجل تراجعاً مستمراً في فرنسا. والكنيسة بحاجة إلى كهنة حيث لا يوجد إلّا نحو ١٥ ألف كاهن اليوم يعملون في أبرشيات، في مقابل ما يزيد عن ٣٧ ألفاً بعد ثورة ١٩٦٨ المعروفة بـ«ربيع الشباب»، التي يرى فيها البعض بدء تراجع التعلق بالدين والتوجه نحو «الفردية المتعية» وبالتالي ابتعاد الشباب عن الكنيسة.
ويختبئ وراء هذه التحولات «التجاذب بشأن العلمانية والدين» في فرنسا، حيث يرى اليمين الراديكالي ضرورة «تصحيح مسيرة المجتمع»، ولكنه يتردد لمعرفته المكانة العلمانية لدى المواطن الفرنسي. وبدأت ملامح هذا المسار عندما هاجم ساركوزي المرشح الرئاسي «ميراث ثورة ٦٨» قبل أن يتحدث عن «العلمانية الإيجابية» وتفسيرها أنها تعني العلمانية المنفحتة على الأديان، وهو المفهوم الذي يثير الجدل في فرنسا.
ومن هنا يرى البعض أن البابا وجد، في معركته لإعادة ضخ القيم الدينية في الحياة العامة في فرنسا وأوروبا، في الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حليفاً ذا وزن سياسي، رغم أنه طلق مرتين وتزوج «في البلدية» حسب القوانين الفرنسية؛ فساركوزي كسر إحدى المحظورات السياسية في فرنسا بالتحدث بشكل علني وإيجابي عن دور الدين في المجتمع. إلا أن المراقبين لاحظوا أن البابا لم يأتِ ولا مرة واحدة على ذكر كارلا بروني، في ردّه على خطاب الترحيب في الإليزيه كما ينص عليه البروتوكول. ما دعا المراقبين للقول «إن التقارب بين الرجلين هو سياسي»، فالكنيسة الرومانية لا تزال لا تعترف بطلاق لم يلفظه الفاتيكان مهما كان موقف المُطلّق من العلمانية، ومهما كان موقعه السياسي. ويذكرون في هذا المجال «صلافة نابليون مع البابا لإجباره على تطليقه من جوزفين»، وليستخلصوا أنه لا يمكن أياً كان أن يكون نابليون.