في مثل حدث الأولمبياد الحاشد لا مكان للسياسة. الحاضر الأبرز هو المال، وبعده تأتي الرياضة كمناسبة لهذا التجمّع العالمي الذي ينتظره المليارات في مختلف أرجاء المسكونة


باريس ــ بسّام الطيارة
تفتتح السلطات الصينية اليوم الدورة التاسعة والعشرين للألعاب الأولمبية، في حضور عدد من زعماء الدول، وأكثر من مئة ألف سائح سيضيع أثرهم في زحمة بضعة ملايين متابع صيني لمباريات نحو عشرة آلاف رياضي يشاركون في «عيد الرياضة» الأقدم في العالم.
أرقام كبيرة ستصطف خلال التعليقات على الحدث، منها الأرقام الرياضية القياسية، ومنها أرقام الأعمال المتعلقة، إما بحقوق النقل أو بمردود النتاج الإعلاني أو بكلفة البنية الهيكلية للمنشآت التي أعدتها سلطات بكين أو للربحية التي سيجنيها الاقتصاد الصيني من «هذا العيد الرياضي».إذ إن الألعاب الرياضية باتت على مر السنين «عيداً اقتصادياً» مربحاً يساوي بالأرقام التي يدرّها أكبر العمليات التجارية في العالم، إن لم نقل أهمها.
حتى القرن التاسع عشر، كانت الرياضة هواية فردية أو جماعية تهدف إلى الترفيه عن النفس وصقل القدرات الجسدية، وفي أحسن حال تطبيق نظرية «العقل السليم في الجسم السليم». وبدأ المال «يتسرّب» إلى الرياضة في إنكلترا أولاً بشكل رهانات وثمن بطاقات الدخول، إلى أن بدأ اللاعبون بالمطالبة بـ«المشاركة في الأرباح» وهي الخطوات الأولى نحو «اقتصاد الرياضة»، ما أدى إلى تحويلها إلى «عرض جماهيري» يقوم به محترفون.
إلا أن الانطلاقة الحقيقية لهذا «البزنس» جاءت مع انتشار الإعلام والإنتاج بالجملة للمواد الاستهلاكية المتعلقة بالرياضة، والذي رافق تحول المجتمعات إلى مجتمعات استهلاكية.
هكذا تحولت الألعاب الأولمبية، إضافة إلى بطولة العالم لكرة القدم، وهما الحدثان الأكثر «إثارة لحماسة المستهلك الرياضي»، إلى لقاء تتوجه إليه أنظار المستهلك (المتابع) والمنتج (المنظّم) والمادة الأوّلية (الرياضيون). ويشد أضلاع مثلث الإفادة هذا مستفيدون عديدون، في مقدمهم وكالات الإعلانات والصناعات التي تستهدف أعداد المستهلكين، وخصوصاً أن هذه المناسبات تسمح لها بـ«إصابة» مئات الملايين في مناسبة واحدة وتحت سقف حدث واحد.
ويؤدي حاملو حقوق البث المباشر دور صلة الوصل بين المستهلك ومصنّعي السلع الاستهلاكية. وعلى سبيل المثال، فإن شبكة «إن بي سي» دفعت مبلغ 3.5 مليارات دولار لحقوق البث الحصري للولايات المتحدة للألعاب الأولمبية في الفترة من ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٨.
وهكذا لم تعد الرياضة «ممارسة جانبية» في المجتمع الحديث، بل تحولت من مسألة ترفيه أو مجرد عرض إلى «ممارسة استهلاكية مركزية» تخطف ألباب سكان العالم وعقولهم، وباتت بالنسبة إلى أعداد كبيرة من «جموع المستهلكين أهم شيء في حياتهم».
باتت الرياضة، في مفهومها الاستعراضي العالمي، «مرآة العالم الحديث»، وخصوصاً في سعيها دائماً نحو صفات تدخل كلها في صفات التفضيل «الأكثر والأحسن والأسرع والأعلى والأقوى»، ورفض الحدود لعمل الإنسان. أصبحت الرياضة قاعدة مسار الحداثة الاستهلاكية، مماثلة لرأس المال.
فقاعدة رأس المال الأساسية هي الزيادة اليومية حسب مفهوم أساسي لعلم تجارة المال: «المال لا ينام». وكذلك الرياضة الحديثة في شقّها الاستعراضي باتت تحت ضغط هذا المبدأ الأساسي، الذي يعود أساساً إلى الربط العضوي الذي أُوجد بين المال والرياضة.
وكذلك ارتبطت الرياضة والمال بانعكاسات إيجابية على النمو في البلاد المنظّمة، ما يفسّر سعي «الدول الناشئة»، كما هي حال «الدول الغنية»، للفوز بتنظيم الألعاب الأولمبية. إذ إن متطلبات اللجنة الدولية الأولمبية في مجال الإنشاءات الهيكلية والمرافق والملاعب تدفع البلد المنظّم، خلال السنوات الثماني التي تسبق تاريخ اللقاء، إلى وضع خطط إعمار وأشغال شاقة «هرقلية» تنقل البلد من حال إلى حال، كما حصل في أوساكا ــــ اليابان عام ١٩٦٤ ما أحدث انطلاقة نهضة يابانية لا مثيل لها ،ومن ثم في سيول لحسم دخول كوريا في نادي الدول المتقدمة، وهو ما يحصل اليوم مع الصين، التي تعدّ نفسها للخروج شريكاً رسمياً في الاقتصاد العالمي، ربما عبر الانضمام إلى «مجموعة الثمانية» لتصبح الدولة التاسعة فيها.
من نافل القول إن هذا الشق «المادي» من الألعاب الأولمبية لا يتأثر بما يمكن أن يقال عن سجل حقوق الإنسان في الدول المنظّمة. فكما أنه «لا رائحة للمال»، فإنه بات «لا رائحة للرياضة». هكذا أرادها كهنة معبد النجاح المالي الرياضي، ولن تؤثر حملات الاحتجاج الإعلامية التي سبقت الافتتاح في تعكير صفو هذا الجمع «المالي ــــ الرياضي ــــ السياسي». فمع بدء المسابقات، يخلع «المشاهد ــــ المستهلك» ثوب الاحتجاج ليلبس «ثوبه الرياضي».
أما بعد إسدال ستارة نهاية الألعاب، فإن الصين ستخرج «أكثر قوة» على كل الصعد. وقد يفسّر هذا إصدار الإليزيه، عشية انطلاق الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى بكين، بياناً يعلن فيه «إلغاء لقاء كان مبرمجاً مع الدالاي لاما»، خشية إثارة غضب المارد الأصفر واستدراج مزيد من المقاطعة الاقتصادية لباريس.
بلاد التيبت تستطيع أن تنتظر عندما تقرع أجراس «البزنس الرياضي»، أما بلاد «الإيغور» المسلمة في شمال غرب الصين، فإن خمسة آلاف كيلومتر تفصلها عن أقرب مسابقة أولمبية، والصحافة ممنوعة من التوجه نحوها، وإلا يصيبها ما أصاب صحافيان يابانيان من ضرب واحتجاز اعتباطي لساعات طويلة.