باريس ــ بسّام الطيارة

يذكر كل متابعي السيرة السياسية الذاتية لبرنار كوشنير، أنّه كان دوماً يتطلع إلى مقرّ وزارة الخارجية «الكي دورسيه»، وأن عدم قبول الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران تسليمه رئاسة دبلوماسية بلاده، كان سبب «الكبت السياسي» الذي أوصل الاشتراكي السابق إلى قبول المهمة التي أوكلها إليه الرئيس نيكولا ساركوزي تحت عنوان «الانفتاح على الاشتراكيّين».
لكن أكثر ما يضايق «الطبيب الدبلوماسي»، هو التلميح إلى أن الدبلوماسية الفرنسية تُصاغ في الإليزيه على يد فريق ساركوزي الذي يقوده جان دافيد لوفيت.
على كلّ حال، فإنّ الإشراف المباشر للرئاسة على الشؤون الخارجية واقع فرضه الدستور والممارسة منذ عهد الجنرال شارل ديغول، حيث يكتفي «الكي دورسيه» بتقديم المشورة التقنية وبالمتابعة اليومية، لا رسم الخطوط المسيِّرة.
ومع ذلك، يبدو كوشنير «منشرحاً للصدف والظروف التي ترافق تسلمه وزارة أحلامه»؛ فساركوزي لا يكف عن امتداحه في كل مناسبة، إضافة إلى أن فرنسا تترأس الاتحاد الأوروبي، ما يوفر لدبلوماسيتها بعداً يتجاوز حدود القارة ويقحم وزارة الخارجية في معظم الملفات الساخنة على الساحة الدولية.
ويزيد من قيمة الدبلوماسية الفرنسية، «ضعف الإدارة الأميركية» التي تترك فسحة كبيرة لتدخل الاتحاد الأوروبي بسبب «دينامية ساركوزي ورغبة كوشنير في الاستفادة من هذا الفراغ»، كما يقول أحد كبار الدبلوماسيين الفرنسيين لـ«الأخبار».
إلا أن تكاثر الملفات دفعة واحدة، قد يدفع إلى خلخلة «الماكينة الدبلوماسية» القائمة على «ضربات نوعية باهرة» واستعمال بارع للإعلام. فقد نجحت هذه الدبلوماسية في ملف «الممرضات البلغاريات»، وكادت تنجح في الملف اللبناني عبر تمرين «سيل سان كلو» قبل أن تنكفئ عن «مؤتمر الدوحة» لتسجل نجاحاً في فتح خطّ باريس ــ دمشق، وهو ما يراه البعض «نقلة نوعية في مقاربة باريس لما يحصل في الشرق الأوسط»، على حدّ تعبير سفير يحضر مؤتمر السفراء السنوي المنعقد حالياً في باريس.
إلا أنّه يُلاحَظ وجود بعض الهفوات التي عوّضتها «البراعة الإعلامية» لأداء الدبلوماسية الفرنسية. في مقدمة هذه الهفوات ملف دارفور. كذلك الأمر في الملف الفلسطيني الذي تراجع في سلّم أولويات حكام باريس، رغم النجاح بجمع إيهود أولمرت مع رؤساء الدول العربية المطلة على المتوسط في 13 تموز الماضي.
أما الحاجز الكبير الذي يعترض الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي، فهو عودة ملامح «الحرب الباردة» في القوقاز، التي يمكن أن تغيّر مفهوم التحالفات في أوروبا وتعيد تنصيب «ولاية أميركية على مصير القارة العجوز» كما يقول الدبلوماسي نفسه.
فقد دفع «كشف روسيا عن نياتها»، واعترافها باستقلال الإقليمين، بساركوزي إلى تنفيذ تهديداته بـ«العمل مع الأوروبيين» لإعادة النظر في «مكاسب روسيا من علاقاتها مع الاتحاد»، وهو ما قرأه المتابعون في الدعوة إلى قمة طارئة لزعماء الاتحاد في بروكسل يوم الاثنين المقبل.
والواقع أن الأوروبيّين والفرنسيين خصوصاً، يتخوفون من عودة الحرب الباردة، لأنهم يعرفون أن واشنطن ستكون المستفيد الأولى منها، وأنّه في حالات التأزم وخطر تحولها إلى «حرب ساخنة»، فإن أوروبا ستكون في «فوهة المدفع». وهو ما عبّر عنه كوشنير أمس بالقول: «حرب باردة لا بأس بها، لكننا لا نريد حرباً ساخنة».