أتى الردّ الإيراني على عرض الحوافز المعدّل لمجموعة «5+1» غامضاً بحيث لم يتضمّن «وقف التخصيب»، ومنفتحاً على الحوار في الآن نفسه، ما يعزّز الادّعاء بأنّ استراتيجية الكرّ والفرّ الإيرانية في التعاطي مع الملفّ النووي تهدف إلى تمرير الوقت، الذي قد تداهمه ضربة إسرائيلية ـــ أميركية ضدّ طهران


واشنطن ــ محمد سعيد

كشف مسؤولون فرنسيّون وغربيّون لصحيفة «نيويورك تايمز»، أول من أمس، عن أنّ الردّ الإيراني على عرض مجموعة «5+1» أفاد بأنّ إيران ترغب في الشروع في مفاوضات شاملة مع الممثل الأعلى للسياسات الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، والدول الكبرى، إلا أنّه لم يتناول بشكل خاص أياً من المقترحات التي قُدّمت إلى طهران الشهر الماضي.
وانطلق الردّ، بحسب المسؤولين أنفسهم، من مبدأ أنّ «زمن التفاوض من موقع الاستسلام وعدم المساواة قد ولّى». واعتبر المسؤولون، الذين رفضوا الكشف عن هويتهم، أنّ الردّ لم «يأت بجديد»، وفي ذلك دليل على ما يدّعيه بعض المسؤولين الغربيين بأنّ طهران ترغب في إطالة أمد دبلوماسية الكرّ والفرّ كي تتمكّن من تطوير برنامجها النووي التسليحي. وأنّها ربما لن تقبل بفكرة «التجميد مقابل التجميد» (تجميد التخصيب في مقابل تجميد اليورانيوم) من أجل بدء محادثات تمهيدية.
من جهته، أكّد المتحدث الحكومي الإيراني غلام حسين إلهام أن بلاده لن تتخلّى عن حقوقها النووية، لكنّها مستعدة للتفاوض مع القوى العظمى لتسوية الأزمة النووية. وأشار إلى أنّ المباحثات المقرّر أن تجريها إيران مع مجموعة «5+1» ستتركّز حول النقاط المشتركة للرزمتين اللتين اقترحهما الجانبان فقط و«لن نناقش أي موضوع حول حرمان الشعب الإيراني من حقوقه».
وحول اقتراح تشكيل لجنة مشتركة لدراسة موضوع تخصيب اليورانيوم في المحادثات بين إيران والدول الكبرى، قال إلهام «ينبغي علينا الانتظار لبدء المفاوضات حتى تطرح جميع القضايا». ولفت إلى أنّ المشادات السياسية الداخلية لا تؤثّر على مواقف بلاده الثابتة تجاه السياسة النوويّة الخارجية، داعياً الدول الغربية إلى عدم المراهنة على حصول «هوّة داخل إيران في الشأن النووي».
أما رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، علاء الدين بروجردي، فقد أشار إلى أن «اللقاء المقبل بين أمين المجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي وسولانا سيكون مقدّمة للمفاوضات» وسيتم «خلال الأسبوعين المقبلين».
وفي السياق (يو بي آي، أ ف ب، رويترز، أ ب)، أشار أمين لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، كاظم جلالي، إلى وجود حديث «في الأوساط السياسية الأميركية حالياً عن شراكة نوويّة فوق الأراضي الإيرانية» في إشارة إلى المقترح الإيراني حول إنشاء «كونسورتيوم» للتخصيب في إيران.
في المقابل، أعرب سولانا عن استعداده للاجتماع قريباً مع جليلي. وقالت متحدثة باسم الاتحاد الأوروبي إنّ سولانا «أجرى أولاً مشاورات هاتفية اليوم (أمس) بشأن ردّ إيران المكتوب على الاقتراحات التي سلّمها لطهران الشهر الماضي، بالإنابة عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين (مجموعة 5+1)».
أما البيت الأبيض فقد أعلن أنّه سيجري مشاورات مع حلفائه حول ردّ إيران. وقالت المتحدثة باسمه، دانا بيرينو، «سنجري مشاورات مع حلفائنا حول معنى الردّ الإيراني قبل أن نعطي ردّنا الرسمي». وفي تطورات الضربة العسكرية المحتملة ضدّ المنشآت النووية ـــــ الإيرانية، رجّح مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» أن تفشل الخطط الإسرئيلية في هذا الإطار إذا ما نُفّذت، لأنّ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» والاستخبارات الإسرائيلية «الموساد» لا تعرفان المواقع الخاصة بالنووي. ونقلت صحيفة «صنداي تلغراف» عن هؤلاء المسؤولين قولهم إنّ «الثغر في المعلومات الاستخبارية حول المواقع الدقيقة للمنشآت النووية الإيرانية وقابلية ضربها برزت خلال المباحثات التي أجراها في إسرائيل أخيراً رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية، الأميرال مايكل مولن، مع ضبّاط الجيش الإسرائيلي».
ولفتت الصحيفة إلى أنّ نقص المعلومات الاستخبارية يمكن أن يفسّر أسباب قيام الرئيس جورج بوش بالمصادقة على تكثيف القوات الأميركية الخاصة داخل إيران العمليات السريّة وقرار مولن معارضة الخيار العسكري ضدّ إيران.
وأضافت المصادر أن القادة العسكريين الأميركيين «قلقون من احتمال أن تشعر إسرائيل بأنها مجبرة على التحرّك ضدّ المنشآت النووية لدى إيران في غضون الأشهر الاثني عشر المقبلة من دون تقديم ضمانات على أنها ستكون قادرة على القيام بأكثر من إبطاء عملية تطوير طهران لسلاح نووي».
وأشارت المصادر المطّلعة على المحادثات العسكرية الإسرائيلية ـــــ الأميركية إلى أنّ «الدولة العبرية ما تزال مصمّمة على التحرّك ضدّ إيران قبل امتلاكها كميات من اليورانيوم المخصّب تكفي لبناء قنبلة نووية وحصولها على صواريخ جو ـــ أرض (إس إي ـــ 20) الروسية الصنع لحماية منشآتها النووية». وكشفت عن أنّ الجيش الأميركي يدرس الآن النتائج المحتملة لهجمات عسكرية بمشاركة الولايات المتحدة على مستويات مختلفة. كما تدرس واشنطن طرق التعامل مع الردّ الإيراني على ضرب منشآتها، ومن بينها قطع إمدادات النفط وإغلاق مضيق هرمز وشن هجمات ضدّ السفن البحرية والقواعد الأميركية في البحرين.
ونسبت الصحيفة إلى مسؤول سابق في الـ«سي آي إيه» قوله إن الهجمات التي خُطط لها ضد المنشآت النووية الإيرانية تتراوح بين ضرب 200 هدف داخل إيران وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباري لإسرائيل إذا قرّرت المضي منفردة في مهاجمة طهران.
في المقابل، جدّد رئيس هيئة أركان الجيش الإيراني، حسن فيروز أبادي، التحذير من أنّ بلاده ستغلق مضيق هرمز الاستراتيجي، في حال تعرّض مصالحها للخطر. فيما هدّد قائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري الأعداء «بضربات فتاكة في الخليج».