مي الصايغ

الحكومة تصرّ على أنه ليس في الاتفاق، محل التفاوض مع الولايات المتحدة، ما يفرض قيوداً على حق الهند بإجراء تجارب نووية، أو ما من شأنه أن يؤثر على قرارها في السياسة الخارجية، بل ترى أنه يفتح الطريق أمام حصول الهند على الوقود النووي والتكنولوجيا الأميركيّة، كما يتيح لها المزيد من بدائل الطاقة لدفع التنمية الاقتصادية. وتشدّد على أن الاتفاق يكرّس الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين واشنطن ونيودلهي ويعزز المكانة الدولية للهند.
أمّا الأحزاب اليساريَّة فترى أن الاتِّفاق يعطي الولايات المتَّحدة نفوذاً أكثر ممّا ينبغي على السياسة الخارجية الهندية، ويقوّض أهمية البرنامج التسليحي للهند، ويهدد أمنها القومي. وهي تمهل سينغ حتى السابع من الشهر الجاري، إذا مضى قدماً في الاتفاق، الذي رأت أنه سيجعل الهند «لعبة في يد الولايات المتحدة»، قبل أن تنسحب من الحكومة.
حتى إن الحزب الشيوعي الشريك في الائتلاف الحاكم وضع زيارة سينغ إلى قمّة الدول الثماني الصناعية الكبرى في خانة التمهيد للصفقة، حيث من المرجّح أن يلتقي رئيس الوزراء الهندي الرئيس الأميركي جورج بوش. وقال رئيس الحزب، باركاش كارات، إن «رئيس الوزراء لن يذهب إلى القمّة إلا إذا حصل على الضوء الأخضر للمضي قدماً في الاتفاق النووي، لذلك فإننا نناقش توقيت الانسحاب».
أمام هذه التهديدات، لم يكن أمام حزب المؤتمر الحاكم إلا أن يوجه أنظاره إلى التحالف الوطني التقدمي المتحد الذي يضم أحزاباً هندية صغيرة، أبرزها حزب «ساماجوادي» الإقليمي الاشتراكي، محاولاً كسب وده، إذ إنه يحتاج إلى 44 صوتاً من أجل تعديل خسارة الشيوعيين (59 صوتاً)، لابعاد الاستقالة عنه.
خطوة قابلها حزب «ساماجوادي»، العدو السياسي التقليدي لحزب المؤتمر، بالترحيب، مخافة أن يؤدي سقوط حكومة سينغ إلى تشريع أبواب السلطة أمام الحزب الهندوسي القومي «باهاراتيا جاناتا». لكن الأمين العام لـ«ساماجوادي»، آمار سينغ، طالب بمزيد من الوقت لاستطلاع رأي الرئيس السابق عبد الكلام، أب التكنولوجيا النووية الهندية، الذي شدّد بدوره على أن الاتفاق النووي هو «مصلحة قوميّة».
مصلحة قومية لم يستسغها الباحث التكنولوجي فينكاتش سريدهار، الذي يعارض الصفقة.
إذ لفت إلى أن «إنتاج الطاقة النووية يتطلّب اليورانيوم، الذي لا تملكه الهند بكميات كافية، لذا فهي ستعتمد في نهاية المطاف على كارتال مجموعة الدول المزودة للوقود النووي». ويتساءل «لماذا الاعتماد على دولة آخرى، فيما هناك مواد انشطارية أخرى كالثوريوم الذي تملك الهند 24 في المئة من الاحتياطيّ العالمي».
واستراتيجياً، يرى سريدهار أن المعاهدة تشبه ابتلاع رصاصة، إذ إن الاتفاق يطلب إلى الهند المشاركة البناءة في مساندة سياسات الولايات المتحدة حول البرنامج النووي لإيران، الأمر الذي سيحتم التخلي عن خط أنابيب الغاز الإيراني ــ الباكستاني ــ الهندي، المرجح البدء بتشييده عام 2009، الذي سيوفّر للهند كميّات كبيرة من الغاز بكلفة متدنية، فيما كلفة إنتاج الطاقة النووية، ستكون مرتفعة جداً.
ويرى المحلل السياسي الهندي، ماهيش نارجرجان، أن «الحكومة اقتربت من الحافة ثم تراجعت في آخر لحظة لتكسب بعض الوقت، لكنني لا أعتقد أن الحكومة، أو الحزب الشيوعي مستعدان لتنظيم انتخابات مبكرة».
انتخابات قد يكون إجراؤها قبل موعدها المقرر في أيار عام 2009 بمثابة صفعة لحزب المؤتمر الحاكم، إذ يفضل العديد من الحلفاء في الحكومة تأجيلها، على أمل أن تتمكن الحكومة بحلول ذلك الوقت من احتواء التضخم القياسي، كما أنها في حاجة إلى وقت من أجل السيطرة على أسعار المواد الغذائية بعد الزيادة الأخيرة. يضاف إلى ذلك الخسارة التي مني بها حزب المؤتمر الحاكم أمام حزب «باهاراتيا جاناتا» في الانتخابات المحلية في ولاية كارناتكا الجنوبية. ولم تكن تلك مجرد الخسارة التاسعة لحزب المؤتمر في 11 جولة انتخابية نظمت منذ كانون الثاني2007، لكنها المرة الأولى التي يفوز فيها الحزب الهندوسي القومي في ولاية جنوبية.
ووسط هذه الأجواء المشحونة، يجد بعض المحللين أن تأجيل التصويت على الصفقة النووية لن يخفف من وطأة الضغوط الملقاة على عاتق الحكومة، فإما أن يصر سينغ على تمرير الصفقة ويخوض انتخابات مبكرة بسبب معارضة الحزب الشيوعي، أو يمضي بها مع كسب أصوات حزبي «ساماجوادي» (39 مقعداً) و«راشتريا لوك دال» (3 أصوات)، فيبعد الاستقالة عن الحكومة.