أرنست خوري

وإذا كانت أزمة اعتقالات بعض قياديّي المجموعة الانقلابية تُعَدّ أزمة وطنيّة شاملة، فإنّ تضمّن لائحة الموقوفين اسم طوران كوميز، هو صفعة قويّة للحزب الحاكم. فالرجل، وهو رئيس سابق لبلديّة إسطنبول، ونائب سابق عن الحزب الإسلامي المعتدل، يُعرَف بأنه بقي لمدّة 15 عاماً اليد اليمنى لأردوغان.
وفي النهاية، يُعتَقَل على خلفيّة أنه كان المكلف تأمين جميع المعلومات والأسماء وأمكنة اجتماعات الحزب الحاكم، لتتمّ تصفية قياداته أو الانقضاض عليهم في تاريخ الانقلاب الذي كان مقرّراً في السادس من الشهر الجاري. بكلام آخر، تبيّن أنّ كوميز تحوّل من اليد اليمنى لأردوغان، إلى جاسوس على أردوغان وحزبه.
العنوان الأساسي للقضيّة، أي انقلاب شخص من الصفّ الأوّل في حزب تركي على قيادته، ليس جديداً. فالظاهرة عمرها من عمر الجمهوريّة، من عمر مصطفى كمال أتاتورك حتّى، وتنقّلت إلى قلب الأحزاب السياسية جميعها، بتيّاراتها اليمينية واليسارية والكردية والإسلاميّة.
إلا أنّ الجديد ــ المفجع هو أنّها قد تكون المرة الأولى التي يتورّط فيها شخص يحتلّ مكانة مرموقة ككوميز، بمشروع تصفية قيادة حزبه السابق. ويتخطّى الموضوع الإطار السياسي التنافسي والعدائي، ليتحوّل إلى استعداد الرجل لفعل كل شيء، لتصفية رئيسه (جسدياً وسياسياً) في الحزب والحكومة والجمهوريّة.
لا بدّ أنّ قضيّة كوميز ستبقى، حتّى إشعار آخر، دليلاً على وجود أزمة كبيرة للغاية في الصفوف التنظيمية لـ«العدالة والتنمية»، الذي ضمّ في قيادته «عميلاً» من الطراز الأوّل لفترة طويلة. غير أنّ الأزمة لا تنحصر في الإطار التنظيمي، بل تمتدّ إلى أزمة سياسية وجوديّة، تتجسّد بالدوافع التي أدّت بشخص بوزن كوميز، في نقل الولاء بهذا الشكل الدراماتيكي. إنها أزمة هويّة وانتماء، سينكبّ علماء النفس والاجتماع السياسي على العمل طويلاً لفكّ رموزها وفهم خلفيّاتها.
وفي السياق، يعيد أستاذ علم النفس في جامعة أنقرة، عبد القادر شفيق، ظاهرة كوميز، إلى «المرض الذي يلازم ولادة الأحزاب السياسية في تركيا». وهو يرى أنّ القيادات الحزبيّة تتولّى مهامّ كبيرة «وهي لا تزال في سنّ المراهقة سياسياً». كما يرى أنّ التعدّدية الحزبية غير المضبوطة تمثّل مدخلاً مهماً لفهم تلك الظاهرة غير الصحية في نقل الولاءات. وهو يشير إلى أنّ أي قيادي لا ينجح في فرض نفسه الرقم واحد في حزبه من طريق التنظيم الداخلي، «يلجأ من دون تردّد إلى حزب آخر».
يبقى أنّ «العدالة والتنمية» لديه كمّاً هائلاً من الأمثلة التاريخيّة، ليقول إنّ ظاهرة «الانقلابات» الداخلية ليست محصورة به، بل هي عامّة وسابقة لولادة الحركة الإسلاميّة، وإن كانت هذه الحركة قد نالت قسطاً كبيراً من آثار هذه «اللوثة».
صحيح أنّ صورة مصطفى كمال أتاتورك واسمه أكثر من «مقدّسين»، إلا أنّ التاريخ يفيد بأنّ أول «انقلاب» حصل في تاريخ تركيا الجمهوريّة، استهدف أتاتورك نفسه، من أبرز مساعديه، وخليفته في رئاسة البلاد، عصمت أونونو. فالأخير، كنّ لأتاتورك عداءً موصوفاً، رغم أنه كان يوماً ما رجله المفضّل. حتّى إنّ أتاتورك من شدّة ما كان يخشاه، أبعده عن رئاسة الحكومة قبل وفاته في عام 1938. وفور انتخابه رئيساً خلفاً له، أمر أونونو أو «الزعيم الوطني» كما سمّى نفسه، بتغيير العملة الوطنيّة، واضعاً صوره هو بدل صور أتاتورك. وكان الصراع بين أتاتورك وأونونو من جهة، وقائد جيشهما الجنرال فوزي شكماك، سابقاً لصراع الرئيسين الأول والثاني، ويصنّفه المؤرّخون بأنه كان أوّل صراع سياسي بين «الأخوة» في تركيا الحديثة. كذلك، فإنّ النائب في البرلمان، وقائد الجبهة الشرقيّة لأتاتورك، كاظم كرابكير حُوكم وسُجِن بتهمة التخطيط لاغتيال أتاتورك.
وتكرر الانقلاب على أونونو أيضاً على أيدي أقرب المقربين منه، والرئيس الذي خلفه جلال بايار الذي أسّس «الحزب الديموقراطي» الذي أنهى في عام 1950 حقبة حكم حزبه السابق «الشعب الجمهوري» التي دامت 30 عاماً. كذلك فإنّ الرئيس التاسع لتركيا، سليمان ديميريل، عرف أيضاً انقلاباً نفّذه ضدّه فريق عمله عندما كان رئيساً للوزراء في انقلاب عام 1980. وبطل الانقلاب كان من أصبح رئيساً ثامناً للجمهورية، تورغوت أوزال، الذي انشقّ عن ديميريل وأسّس حزب «الوطن الأم». غير أنّ ديميريل عاد وأقصى عدوّه في عام 1993 عندما حلّ مكانه في قصر شنقايا. انقلابات «الأخوة» طالت جميع الأحزاب السياسية ورؤسائها: تانسو تشيلر «سرقت» من ديميريل قيادة حزبه «الطريق القويم»، وهي التي كان يسمّيها «ابنتي».
أما بخصوص الحركة الإسلاميّة، فقصّة انقضاض فريق عبد الله غول ورجب طيب أردوغان على «الرمز» نجم الدين أربكان في أحزاب «السعادة» و«الفضيلة» باتت معروفة، إلى حدّ أنّ «الأمير» المفضّل لدى أربكان، أي غول نفسه، انقضّ على مرشَّح أربكان، رجائي قطان، وقاد في النهاية، إلى جانب أردوغان وعبد اللطيف شينر وبولند أرنش حزب «العدالة والتنمية».
لكن حتّى شينر لم يدم عهده في الحزب الجديد طويلاً، إذ اعترض منذ بداية الطريق على سياسات الحزب الحاكم، وتمّت التضحية به، وهو لا يزال حتّى اليوم يحاول العودة إلى المعترك السياسي.