بول الأشقر

وتحظى هذه المجموعات، التي يموّلها الملاكون الزراعيّون وكارتيلات المخدرات، بتواطؤ أوساط عريضة في صفوف القوّات المسلّحة وضمن الطبقة السياسيّة لمحاربة نفوذ منظمة «الفارك» الثوريّة المتزايد.
كلاين، الذي حوكم غيابياً في كولومبيا عام 2001، بعشر سنوات سجن، كان قد اعتقل في موسكو في آب 2007، ووافق مجلس القضاء الأعلى في روسيا على تسليمه إلى كولومبيا في 22 أيار الماضي. إلّا أن قراراً طارئاً من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان جمّد عمليّة الإبعاد بانتظار قرار المحكمة الجزائية الدولية، المنتظر صدوره في الأسابيع المقبلة.
إثر ذلك، صار الحديث عن مستشارين عسكريين من إسرائيل نوعاً من «التابو» في الحياة الكولومبية، إلى أن عُيّن خوان مانويل سانتوس وزيراً للدفاع، حين إعادة انتخاب ألفارو أوريبي في شهر آب 2006رئيساً للبلاد.
وما بين التعيين والتسليم، شارك سانتوس ــــ ذو الصلات الدولية الواسعة، لأنه شغل خلال سنوات مركز مدير مكتب القهوة الكولومبية ــــ في إسبانيا في ندوة للمركز الدولي للسلام. هناك التقى بصديقه وزير الخارجية الإسرائيلي السابق شلومو بن عامي، وشكا له همّه عن واقع الجيش الكولومبي الاستخباري، فنصحه بن عامي بالاتصال بمجموعة من الضباط الإسرائيليين المتقاعدين الذين يقدّمون استشارات للحكومة الإسرائيلية نفسها ولعدد من الولايات الأميركية.
وفي هذا السياق، يزور وفد إسرائيلي كولومبيا لأول مرة بعد أشهر قليلة، وهو مؤلف من أربعة ضباط، وجميعهم متقاعدون، ويواكبهم ثلاثة مترجمين أرجنتينيين. في غضون ذلك، يسافر إلى كولومبيا، على دفعات متتالية، عشرات من المستشارين الإسرائيليين، مهمّتهم إعادة تأسيس شعبة الاستخبارات وإعادة هيكلة سلسلة الأمر والرقابة الداخلية داخل القوات المسلّحة. علاقتهم شبه محصورة بالأركان وبدائرة الاستخبارات، وهم يقطنون في قاعدة توليميدا ــــ مقر الأركان ــــ قرب العاصمة بوغوتا، إلا عندما يُرسَل أحدهم إلى وحدات المناطق لإلقاء محاضرة، ولهم دور حاسم في إعادة تنظيم عملية جمع المعلومات والحفاظ على سرّيتها واستعمال سلاح الإعلام.
والجدير بالذكر أن الحكومات الإسرائيلية والأميركية والبريطانية على علم بهذا التعاون الذي أثار غضب أحد مسؤولي الاستخبارات البريطانية التي كانت مولجة بإعادة تنظيم الاستخبارات. بدا ذلك من خلال قوله «نصرف عليهم أموالاً من ضرائب مواطنينا وهم يدفعون الأموال إلى الإسرائيليين!».
وتفيد الإشارة هنا إلى أن وزارة الدفاع الكولومبية كانت قد وقّعت في شهر نيسان من عام 2007 عقداً مع شركة «غلوبال سي.إس.تي» الإسرائيلية، بقيمة عشرة ملايين دولار. مع العلم أن الجيش الكولومبي اشترى من إسرائيل السنة الماضية، بواسطة شركة «غلوبال»، تجهيزات إلكترونية متطورة للتنصت ولقطع الاتصالات لدى الأعداء وطائرات تجسس من دون طيّار، وأن الإسرائيليين قد درّبوه على استعمالها.
وكان الجنرال الإسرائيلي زئيف زئيف، الذي يتشارك مع الجنرال يوسي كوبرفاسير في ملكية شركة «غلوبال»، قد ذكر لدى وصوله إلى إسرائيل، الخميس الماضي، آتياً من كولومبيا، أنه لا يجب «المبالغة بدورنا في عملية عنتيبي الكولومبية، ولا نستطيع أن نطالب بالفضل لشيء لم نقم به». لكنه يضيف في المقابل «من الصحيح أننا ساعدناهم ليجهّزوا أنفسهم لمحاربة الإرهاب، وساعدناهم على تخطيط العمليات والاستراتيجيات وعلى تطوير مصادر المعلومات».
من جهة أخرى، يبدو أن المشاركة الأميركية كانت مهمة ــــ والبعض يقول حاسمة ــــ لتحديد الأهداف من خلال عمليات تصوير حرارية كاشفة عن وجود بشري في الأدغال، إن في الغارة على معسكر راوول ريس في الإكوادور أو لتحديد مكان وجود الرهائن في العملية الاستخبارية الأخيرة التي حصلت على الضوء الأخضر المسبق من الرئيس جورج بوش، وهو ما عبّر عنه بشكل غير مباشر وزير الدفاع الكولومبي سانتوس بقوله: «طرحنا على الأميركيين عدداً من الفرضيات وساعدونا في بلورتها».
الشيء ذاته، لكن باختلاف، قاله سفير الولايات المتحدة لدى كولومبيا، وليام برونفيلد، وهو ينفي دفع حكومته رشوة بقيمة عشرين مليون دولار للخاطفين للإفراج عن الرهائن، إذ قال «لم ندفع دولاراً واحداً للخاطفين. في المقابل، لم ندفع عشرين بل آلاف من الملايين لإعادة بناء القوات المسلّحة الكولومبية وتجهيزها».