باريس ــ بسّام الطيارة

تنفس شباب الضواحي الفرنسية الصعداء بعدما حسمت هيلاري كلينتون أمرها وأعلنت دعمها باراك أوباما، وأصبح «مرشحهم»، مرشح الحزب الديموقراطي. سيغولين رويال أيضاً أرسلت «رسالة قوية» لأوباما رأت فيها أنه «خيار تاريخي يحمل أملاً». وأضافت أن هذا الخيار يعبّر عن «أميركا اليوم والغد، أميركا الهجينة المختلطة الأجناس».
باتت فرنسا تعيش موجة تأييد لباراك أوباما لم تعرفها سابقاً. موجة تذهب من الضواحي الفرنسية، التي تحضن المهاجرين والعمال، إلى رجال سياسة مرموقين مثل منافسة نيكولا ساركوزي في الانتخابات الأخيرة، رويال، أو رئيس بلدية باريس برتران دولانويه، أو عدد متزايد من الوزراء ونواب من اليمين واليسار، إلى جانب بعض «المثقفين» والأسماء الرنانة في عالم النشر والكتابة، مثل الفيلسوف برنار هنري ليفي، أو مصممة الأزياء سونيا ريكيل وغيرهما.
إلا أن الظاهرة الأكثر إثارة هي «ما يحصل في الضواحي»، حيث بات أوباما مثالاً أعلى تنتشر صوره على كل حائط وعلى مداخل البنايات التالفة وفي مصاعدها الوسخة. وبعصا سحرية، عادت «أميركا منبراً للحرية ومنارة آمال»، حسبما يقول الناطق الرسمي باسم جمعية «أوباما في فرنسا»، زخاري ميلر، لصحيفة «لوبارزيان». ويصف ما يحدث في الضواحي بأنه «رد اعتبار لأميركا بعد عهد جورج بوش». ورغم اعترافه بأن «لون البشرة لا أهمية له في شخصية الرئيس»، إلا أنه لا يتمالك نفسه عن التعبير عن فرحته لأنه «للمرة الأولى سوف يكون لأميركا رئيس أسود».
يرى عدد من «شباب الضواحي» في وصول أوباما «القادم من قرية كوغيلو في كينيا» إلى هذه المرحلة مثل ومضة أمل. ويقول أحدهم، لـ«الأخبار»، «فجأة عادت أميركا التي كنا نكرهها هدفاً لهجرة الشباب ومحط محبة». ويقول حسن، وهو ابن مهاجر من التشاد، «والد أوباما هاجر تقريباً في السنة نفسها التي هاجر فيها والدي من نجامينا». ويتابع، وهو ينظر إلى رفاقه، «أين أصبح ابنه؟ وأين أصبحت أنا؟».
كل مناقشات طلاب جامعة سين سان دونيس، الموجودة في قلب الضاحية التي تحمل الاسم نفسه، تدور حول أوباما و«الحلم الأميركي»، فهو «البرهان على أنه يمكننا أن ننجح» كما تقول سلمى التي تعرّف عن نفسها بأنها فرنسية من أصول مغربية. صديقها حسين يوافقها الرأي، إلا أن صديقتها ديزيريه ذات الأصول الأفريقية ترى «أن هذا لا يمكن أن يحصل في فرنسا».
الجميع يلاحق كل ما يتعلق بأميركا بسبب الشغف بآفاق الأحلام التي تحملها، حقيقة كانت أم خيالاً، فكل ما يأتي من «أميركا ـــ أوباما» بات مثار إعجاب شبيبة الضواحي وشاباتها. يقول العامل في مطعم سام (نيجيري الأصل) «في أميركا يمكنك أن تحصل على شهادة سواقة بيوم واحد عندما تبلغ السادسة عشرة». وإذا ما بادرنا إلى الحديث عن «مسار أوباما الجامعي ومثابرته على الدراسة قبل حصوله على شهادة من أوكسفورد» ووصوله إلى ما هو عليه الآن، يرفض الشباب الدخول في «التفاصيل». الجواب مقتضب وحاسم «كل شيء ممكن في أميركا» ويبادر أحدهم للقول «العنصرية في فرنسا هي الحاجز الرئيسي».
ترى الضواحي في وصول أوباما، مثلما رأت في وصول ساركوزي «ابن المهاجر الهنغاري»، علامة إيجابية، إلا أنه لا ريب في أن «لون بشرة مرشح الحزب الديموقراطي» ترفع من الزخم العاطفي لما يشعر به أبناء الضواحي من «رد اعتبار» أمام الإهانات اليومية التي يتعرضون لها أو يظنون أنهم عرضة لها.
لا يرى شباب الضواحي في وصول باراك أوباما أكثر من «انتقام» لأنفسهم من المجتمع الذي ينبذهم. ويساعدهم في ذلك «لون بشرته».
ويبدو أن صناعة هوليوود السينمائية قد فهمت منذ سنوات اندفاع الطبقات الفقيرة والمسحوقة ولهاثها في المجتمعات المعولمة والمتماثلة وراء «بطل لا تكون بشرته بيضاء»، فجعلت أبطالها من أصول أفريقية. يخرج الممثل ويل سميث دائماً منتصراً في أفلامه كما يريد ويحبذ وينتظر الجمهور، فهل ينتصر أوباما كما يتمنى شباب
الضواحي؟