الحياة السياسيّة في تركيا أكثر من فريدة من نوعها. هي مليئة بالتناقضات التي تغلّفها الحريّة والتعدّدية والديموقراطيّة. النظرة عن بعد تختلف عن الدخول في التفاصيل الجدليّة الدقيقة التي تحكم المستويات الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة، في جمهوريّة نُصِّبَت فيها المحكمة الدستوريّة حارسة للعلمانيّة، ووصيّة على إرث من التابوهات


أرنست خوري

التغيير في تركيا، وإن توافرت له نظريّاً الأدوات الضروريّة، من أحزاب وصحافة وانتخابات وعمل نقابي، محكوم بخطّ أحمر لا يمكن تجاوزه. خطّ تتّسع حدوده ليصبح في المحصّلة خطوطاً. سلطة استنسابيّة مؤتمنة على حمايتها ووضع حدودها. المحرّمات كثيرة: العلمانيّة التي تقترب من الدين المدني المتزمّت، والنزعة القوميّة، التي ليست سوى شوفينيّة متعصّبة موجّهة ضدّ الأكراد خصوصاً، وعدم التساهل تجاه الطوائف والمذاهب، كما معاداة الشيوعية بتيّاراتها ومشاربها المختلفة، جميعها شعارات عريضة يتعرّض كل من يحاول المسّ بها إلى أقصى العقوبات التي قد تتّخذ من القانون مسوّغاً لها، ولكن قد تتّخذ أيضاً طابع التصفية الجسديّة المافياويّة.
عصابات ergenekon البارا ـــ عسكريّة، تكوّنت على يد ضبّاط الجيش، حامي الحمى وسيّد عرش أتاتورك وإرثه، وتولّت حتّى الأمس القريب «تنظيف البيت التركي» ممّن تسمّيهم «أعداء الداخل».
أمّا الجهاز القضائي المولَج إعطاء طابع شرعيّ لعمليّة إعاقة جذور التغيير السياسي غير المسموح به، أو بكلام آخر، المكلَّف بـ«التصفيات السياسيّة»، فهو المحكمة الدستوريّة. جهاز سياسي صلاحيّاته مطلَقة. موقعه يفوق قيمة الدستور نفسه وممثّلي الشعب حتّى. تركيبته حُجزت فيها مقاعد عديدة لممثّلي الجيش. أحكامه استنسابيّة مبرَمة لا مجال لمراجعتها. سيفه مسلط فوق رقاب رئيس الجمهوريّة والوزراء والأحزاب السياسيّة الذين يحقّ له محاكمتهم. باختصار، المحكمة الدستورية هي ضابطة الإيقاع الحديديّة التي تحدّد ما هو مسموح بأحكام مبرَمة غير قابلة للطعن.
أحدث أحكام المحكمة صدر قبل أيام، وكرّس الحجاب الإسلامي أحد أبرز الممنوعات الاجتماعية والسياسيّة في البلاد. شهور من الأخذ والردّ حسمها 9 قضاة لينقضوا إرادة شعبيّة جارفة عبّر عنها 411 صوتاً لـ411 نائباً عدّلوا في 9 شباط الماضي مادّتين دستوريّتين للسماح بارتداء بعض أنواع الحجاب الإسلامي في الجامعات. تركهم القضاة حتّى يستعرضوا الآليّات الشكليّة، قبل أن يقطعوا الطريق أمامهم ليعيدوا الأمور إلى مربّعها الأوّل.
لا بل أكثر من ذلك، فسطوة المحكمة بلغت حدّ أنها تعرّض، للمرّة الأولى في تاريخ تركيا، حزباً حاكماً، «العدالة والتنمية»، الذي نال غالبيّة ساحقة في آخر انتخابات عامّة جرت (47 في المئة)، إلى خطر الحظر ومنع 71 من قياديّيه (بينهم رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ومعظم أعضائها وعدد من النواب...) من مزاولة العمل السياسي لفترة 5 سنوات، بحجّة تحوّل الحزب إلى بؤرة تهدّد القيم العلمانيّة للجمهوريّة.
الأهمّ يبقى أنّ القيّمين على الحفاظ على الستاتيكو التركي، يعلمون جيّداً أنّ وجود المحكمة الدستوريّة بوضعيّتها الحالية يُعدّ واحدة من أكبر العقبات التي تعترض المسيرة الأوروبيّة لبلادهم. لكنّ هؤلاء باتوا يعملون على هدى مبدأ أنّ دخول الجنّة الأوروبيّة في مقابل خسارة الإمساك بزمام الأمور عن طريق «إصلاحات قضائيّة» تفقد المحكمة الدستوريّة قوّتها الفائقة، هو كمن ربح الدنيا كلّها وخسر نفسه.
ولأنّ الحزب السياسي هو بطبيعته المركز الأهمّ في أيّ نظام سياسي تعدّدي، من ناحية عمليّة إنتاج السلطة وتغيير النخب، وحتّى التغيير الاجتماعي، تظهر حساسيّة دور المحكمة الدستوريّة، من خلال تتبّع مسارها مع «عادة» حظر الأحزاب. عادة وصل عدد ضحاياها إلى ما يقارب 40 حالة. ورغم ذلك، فإنّ القرارات جميعها، كرّست «تقليداً» سياسيّاً يقوم على مسارعة القيّمين على هذه الأحزاب التي تُحظَّر، بتأسيس حزب جديد لا يختلف عن سلفه سوى بالاسم بانتظار حظر المولود الجديد... وهكذا دواليك.
ومنذ انتهاء عصر الأحاديّة الحزبيّة في تركيا في عام 1946، وتحوّل البلاد إلى واحدة من أكثر الدول التي تعرف حياتها السياسيّة تعدّدية حزبيّة غير مضبوطة، كان موضوع حظر الأحزاب السياسيّة أبرز ظاهرة تميّز (سلباً) اليوميّات السياسيّة التركيّة. وتاريخياً، كان الحظر يتمّ بناءً على 3 طرق: إما نتيجة انقلاب عسكري (كما حصل بعد انقلابي عامي 1961 و1980)، أو حظر قانوني، أي عن طريق دعوى ينظر فيها القضاء، وهي الصلاحيّة التي تولّتها المحكمة الدستوريّة منذ تأسيسها في عام 1961، أو أخيراً حظر قانوني تلقائي إذا لم يشارك حزب ما في دورتين انتخابيّتين عامّتين متتاليتين.
معضلة الحظر، تواكبها مسألة التعقيدات التي يفرضها الدستور والقوانين على تأسيس الأحزاب. وقد حاولت مقدمة التعديل الدستوري لعام 1995 فرض شروط على صلاحية المحكمة الدستورية في ما يختصّ بحظر الأحزاب، لأنّ المادّة 69 لا تحدّد معياراً إلا «مخالفة الدستور» لتبرير حظرها، وهنا يتّسع باب الاجتهاد في تفسير ما الذي يناقض الدستور فعلاً.
وحاول التعديل الدستوري المذكور أن يفرض توافر أكثر من دليل واحد على نشاط أو موقف مخالف للدستور يرتكبها حزب لتبرير إقفاله. غير أنّ المحكمة الدستوريّة أعلنت عدم دستورية هذا التعديل، وذلك لتبرير حظر حزبي «الرفاه» عام 1998 و«الفضيلة» عام 2001 لسعيهما إلى إلغاء الحظر على ارتداء الحجاب الإسلامي أيضاً.
على أنّ التعديل الدستوري عام 2001، فرض نيل إلغاء تعديل دستوري ما، غالبيّة أصوات ثلثي أعضاء المحكمة، أي 7 من أصل 11 بعدما كانت الغالبيّة العادية (نصف + 1) كافية.
وبمراجعة سريعة لأحكام حظر الأحزاب من جانب المحكمة الدستوريّة، يلاحَظ أنّ غالبيّة تلك الأحكام تستند إلى مبرّر «مخالفة مبدأ عدم جواز التفريط بوحدة الأراضي التركيّة». تهمة شملت الأحزاب الكرديّة التي تلاحقها باستمرار تهمة الارتباط بـ«منظّمة إرهابيّة» (حزب العمال الكردستاني) من دون أن تكون المحكمة مضطرّة إلى إبراز أي دليل على هذا الارتباط لتبرير قرارها.
وفي الموضوع الكردي، اكتفت المحكمة الدستوريّة بتعليل حكمها في حظر أحزابهم، فقط لأنهم استخدموا في أدبياتهم عبارة «الشعب الكردي». وأقفلت أحزاب «الديموقراطي» عام 1994 و«الديموقراطيّة والتحوّل» عام 1996 و«الحزب الاشتراكي الموحَّد» (1995)، لأنّها أثارت مطالب إعطاء الحقوق الثقافيّة واللغويّة للقوميّات التركيّة.
الحظر طُبّق أيضاً على أحزاب كثيرة، بحجّة أنها تدعم الفيدراليّة أو حتّى تدافع عن الحقوق الثقافيّة واللغويّة للأقليات التركيّة. حالة حصلت عند حظر حزب عمّال الشعب وحزب الحرية والديموقراطيّة عام 1993، والحزب الاشتراكي عام 1992.
الغرائب في حجج حظر الأحزاب، وصلت إلى تبرير المحكمة حكمها في حلّ الحزب «الشيوعي التركي الموحَّد» في عام 1991، فقط لأنّ اسمه «شيوعي». غير أنّه بعد سبع سنوات على صدور الحكم، عادت المحكمة ورأت أنّ سعي الحزب إلى الوصول إلى السلطة انطلاقاً من مبدأ صراع الطبقات لا يتنافى والمبادئ الديموقراطيّة.
اجتهاد الحزب الشيوعي كاد يكون يتيماً لو لم تقدم المحكمة الدستوريّة على اتخاذ قرار ثانٍ خلال العام الجاري، عندما رفضت حظر حزب «الحقوق والحريات» بدعوى «مخالفته مبدأ وحدة أراضي الوطن وعدم جواز تقسيمها».
وأدّى تدخّل المحكمة الأوروبية لشؤون حقوق الإنسان دوراً حاسماً في رفض المحكمة حظر حزب «الحركة الديموقراطيّة السلميّة» على خلفيّة مطلبه نقل منصب «رئاسة الشؤون الدينيّة» من التنظيم الإداري الحكومي.
ورغم أنّ العدد الأكبر من قضايا حظر الأحزاب من جانب المحكمة الدستوريّة يكون على خلفيّة «المسّ بوحدة الأراضي التركيّة»، إلا أنّ شعار «مخالفة القواعد العلمانيّة للجمهوريّة» نال نصيبه لتبرير إقفال الأحزاب الإسلامية. ففي عام 1971، حُظر حزب «النظام الوطني» على خلفيّة مطالبته بإدخال حصّة الدرس الديني إلى المنهج التعليمي. أمّا حزب «الهدوء» فقد حُلّ عام 1983 لأنه طالب بإدخال تعديلات على الأبجديّة التركيّة، ولأنه شبّه النسخة العلمانية التركيّة بالأنظمة الاشتراكيّة.



صلاحيّات إكسترا

تتألف المحكمة من 11 عضواً أصيلاً و4 احتياط، يختارهم رئيس الجمهوريّة من بين أسماء تُرشّح على الشكل التالي:
تتمثّل محكمة التمييز بعضوين أصيلين و2 رديفين. مجلس شورى الدولة يتمثّل بعضوين أصيلين وعضو رديف. أما القضاء العسكري متمثّلاً بمحكمة التمييز العسكريّة والمحكمة الإدارية العسكرية العليا ومحكمة الحسابات، فيتمثل بـ3 قضاة أصيلين وعضو رديف.
بينما يمثّل عضو أصيل الجسم التعليمي. أما الأعضاء الثلاثة المتبقّون فهم حصّة موظّفي الدولة والمحامين.
والأعضاء يمارسون مهمتهم حتّى يبلغوا سنّ الـ65.
صلاحيّات المحكمة هائلة إلى درجة أنّ الدستور يعدّدها كالتالي:
ـــ محاكمة رئيس البلاد والوزراء والمحاكم المدنية والعسكرية والحسابات.
ـــ حلّ الأحزاب (المادّة 69).
ـــ مراجعة أعمال مجلس النواب.
ـــ مراجعة تعديل دستوري أقره البرلمان، ودرس مدى مطابقة القوانين والمراسيم الاشتراعيّة لنصّ الدستور التركي وروحه من حيث الشكل حصراً. (مادة 148 و149).


الحظر التلقائي للأحزاب

لا يقتصر حظر الأحزاب من جانب المحكمة الدستوريّة على حكم تصدره بناءً لدعوى تنظر بـ«خطيئة» اقترفها. فبحسب القوانين التركيّة، أي حزب لا يشارك في دورتين انتخابيّتين متتاليتين، يُحظر تلقائيّاً. واليوم، إلى جانب أحزاب «العدالة والتنمية» و«الحركة القوميّة التركيّة»، فإنّ 4 أحزاب أخرى معرّضة بدورها للحظر، وهي حزب «الطريق القويم»، وحزب «اليسار الديموقراطي» وحزب «الوطن الأم» وحزب «الوحدة الكبرى». وذلك عشيّة ما يتردّد أنّ تركيا ستشهده من انتخابات مبكّرة إذا حُظر الحزب الحاكم بناءً على دعوى المدّعي العام عبد الرحمن يالتشينكايا.
المشكلة هي أنّ القانون يمنع تكوين تحالفات حزبيّة، وأيّ حزب لا يحصد نسبة 10 في المئة من أصوات الناخبين (أعلى نسبة مفروضة في جميع الدول الأوروبيّة)، لا يحقّ له الدخول إلى البرلمان. شروط تفرض اللجوء إلى حلّ من اثنين: إما تكوين تحالفات «تحت الطاولة»؛ على سبيل المثال، فإنّ النوّاب الـ13 لحزب اليسار الديموقراطي، ترشّحوا على لوائح حزب الشعب الجمهوري. أو الترشّح بصفة مستقلّين، وهو ما سمح لـ20 نائباً من حزب الأكراد «المجتمع الديموقراطي» بالتمثّل داخل الندوة البرلمانية.
هكذا، فمن أصل 13 حزباً شاركت في انتخابات العام الماضي، لم يستطع سوى 3 منها التمثّل في الندوة البرلمانيّة بصفتها الحزبية، وهي الحزب الحاكم «العدالة والتنمية» (341) وحزب «الشعب الجمهوري» (99) وحزب «الحركة القوميّة» (71)، والعدد الباقي من النواب موجودون بصفتهم مستقلين لأنهم ترشحوا خارج إطار صفتهم الحزبية.
في الانتخابات المقبلة، أكانت مبكّرة أم عاديّة، يُرجّح أن يلجأ حزب «المجتمع الديموقراطي» المهدّد بالإقفال بدعوى أمام المحكمة الدستوريّة، إلى وسيلة جديدة: المشاركة بلائحة حزبيّة لن تنال سوى نسبة ضئيلة من الأصوات فقط لكي لا يُحظر، وتأليف لائحة مستقلّين موازية يكون الاتكال الفعلي عليها لإدخال النواب الأكراد إلى المجلس.
أمّا بالنسبة لـ«الطريق القويم»، فهو يسعى إلى عودة زعيمته تانسو تشيلر التي تولّت قيادته عندما تولّى سليمان ديميرل منصب رئاسة الجمهورية، لعلّها تعيد إليه شعبيّة تخوّله تأليف لائحة حزبيّة تسمح بتخطّي عتبة الـ10 في المئة من الأصوات.
كذلك، فإنّ «الوطن الأم» نادى قبل فترة زعيمه ونائب رئيس الوزراء التركي السابق مسعود يلماظ للعودة إلى صفوفه من أجل الاستفادة من شعبيّته للغرض نفسه.