القاهرة ــ الأخبار

«الرئاسة اهتمت». هذه كلمة السر التي حوّلت فضيحة تسريب امتحان الثانوية العامة من موضوع شعبي إلى أزمة سياسية تنذر على الأقل بتغيير وزير التعليم الدكتور يسري الجمل، الذي ظهر في برامج تلفزيونية عديدة عاجزاً عن تفسير كيف تسرّبت أوراق الأسئلة في أخطر امتحان على مستوى الجمهورية. الوزير قال إنه ينتظر قرار النيابة العامة، وإن النائب العام المستشار عبد المجيد محمود أحال الملف كله إلى النيابة العامة في المنيا (جنوبي القاهرة)، حيث اكتشفت واقعة التسريب.
من ناحيته، منع رئيس مجلس الشعب، الدكتور فتحي سرور، ٣٠ بياناً عاجلاً لمناقشة الموضوع، وأحالها جميعاً إلى لجنة التعليم، ما يعني خفض حدّة «تسييس» القضية.
والتسييس هذه المرة أكبر من فتح جبهات للصراع بين الحكومة والمعارضة، لكنه محاولة للضغط من أجل إصدار قرار سريع وفوري لا ينتظر الحل القانوني الذي قد يستغرق في القضاء سنوات طويلة، وهو ما دفع المركز المصري للحق في التعليم إلى المطالبة بتدخل «أعلى سلطة في الدولة لإعادة امتحانات الأسبوع الأول لطلاب محافظة المنيا». والمقصود هنا حصر الأزمة في المحافظة المنكوبة بالتسريب، وهو اتجاه مختلف عليه، لأن هناك من يرى أن التسريب عملية منظّمة وتتم باحتراف وبشبكة واسعة تضم مسؤولين وأصحاب نفوذ، وأن كشفها في المنيا لا يعني أن خارجها لم يشهد مثل هذا التسريب.
وزير التعليم أسهم في الإيحاء بهذا التصور عندما أوقف المشرف على امتحان الثانوية العامة في المنيا وأوكل المهمة إلى لجنة تقصّي الحقائق التي أنشأها بعد تفجّر الأزمة، والتي أصدرت أمس تصريحات تنفي تسرّب الامتحانات من مركز التوزيع.
وهي نتائج مغايرة للنتائج الأوّلية التي بدأت تظهر في التحقيقات القانونية، حيث ضم النائب العام إلى الملف عدداً من بلاغات مقدّمة من أهالي الطلاب ومحامين وفرق إعداد برامج تلفزيونية وصحافيين وصلتهم نسخاً عبر الفاكس من امتحان مادة «التفاضل والتكامل»، الذي كان أوّل خيط في الفضيحة. نيابة المنيا أكدت في أوّل ردود فعلها أن «التسريب تم»، وذلك عندما قارنت بين النسخ التي وصلتها عن الامتحان والامتحان نفسه.
هنا سر دخول الرئاسة التي طلبت تقريراً عاجلاً من أجهزتها الأمنية الكبيرة. وبحسب معلومات نشرتها صحيفة «المصري اليوم»، فإن «جهات سيادية وأجهزة أمنية سترفع تقارير عن حقائق وقائع التسريب إلى الرئاسة، وستحدد فيها المسؤولين عما حدث».
وأكدت الصحيفة، نقلاً عن مصادر لم تكشف عنها، «أن هذه التقارير سترفع عقب نهاية التحقيقات التي تجري حالياً بمعرفة النيابة العامة»، واصفة واقعة التسريب بأنها «خطأ جسيم».
الأزمة تكشف عن تحوّل الفساد إلى مؤسسة منظمة تعمل بقوة وفي خط مواز بين الحكومة والناس. فالامتحان الذي يتقدم إليه مليون طالب تقريباً سنوياً يستحوذ على اهتمام كبير على المستوى الشعبي، ويحوّل العائلات إلى ماكينات مالية لكي يعبر الابن أو الابنة إلى الدراسة الجامعية.
هذا هو سر الخطورة الكبيرة في وقائع التسريب الذي يهدد بإعادة امتحانات الثانوية لمليون طالب أو التشكيك في نتيجة الامتحان، وهي حادثة لم تتكرر من قبل في التعليم المصري.
هنا الأزمة السياسية التي قد تنتهي بتغيير الوزير المسؤول على أقصى تقدير، لكن هذا لن يعيد الثقة الضائعة في امتحان الثانوية العامة، والطلاب وعائلاتهم في انتظار قرار سياسي لا أحد حتى الآن يتوقع أبعاده، وإن كان سيكون باتجاه استعادة شعبية الرئيس.
من ناحية أخرى، تزاحمت في الأيام الماضية سيارات على بعض محطات البنزين، ووقفت في طوابير طويلة انتظاراً لحصة من الوقود الأرخص، الذي تقلّصت حصصه إلى حد ملحوظ، ولم يعد متوافراً إلا في محطات قليلة. وهذه هي الضربة السرية بعد رفع أسعار البنزين الذي يستهلكه الأغنياء، كما روّجت الحكومة على لسان صحافييها، لكن لم يدرك أحد من المعترضين على سياسة رفع الأسعار أن الخطوة التالية ستكون اختفاء بنزين الفقراء.