strong>تلاقت آراء الشارع الفلسطيني في قطاع غزة إزاء التهدئة التي يرون فيها «فرصة لالتقاط الأنفاس» بعد عام على إغلاق المعابر والحصار المشدد. غير أن الفلسطينيين يبدون خشية من خرق إسرائيلي يؤدّي إلى انهيار التهدئة سريعاً


غزة ــ رائد لافي
دخلت التهدئة في قطاع غزّة حيّز التنفيذ فعلياً أمس، رغم أن «ساعة الصفر» لانطلاقها تبدأ عند الساعة السادسة من صباح اليوم، إذ لم يسجل انطلاق أي صاروخ أو قذيفة في اتجاه الأهداف الإسرائيلية، بينما انخفضت بشكل ملموس الطلعات الجوية الإسرائيلية في أجواء القطاع.
ورأى الغزاويون أن اتفاق التهدئة يمثل مصلحة لكل الأطراف؛ فبينما سيضمن للفلسطينيين رفعاً للحصار وفتحاً للمعابر، فإنه سيكفل الأمن للبلدات الإسرائيلية المتاخمة للقطاع، التي تمثّل هدفاً رئيساً لعمليات المقاومة.
وعبّر الشارع الغزاوي عن أمله في أن تضمن التهدئة رفعاً شاملاً للحصار الإسرائيلي المشدد الذي فرضته الدولة العبرية على القطاع منذ سيطرة حركة «حماس» عليه في حزيران الماضي.
وقال الكاتب الصحافي مصطفى إبراهيم إن «التهدئة تعبّر عن مصلحة فلسطينية وإسرائيلية مشتركة»، مشيراً إلى أن «المصلحة الفلسطينية هي في رفع الحصار وفتح المعابر، وخصوصاً معبر رفح الحدودي الذي يمثل رمزاً للحصار المحكم والخانق والظالم المفروض على الفلسطينيين في قطاع غزة منذ عام، ويعاني أزمة حادة في كل شيء». وأضاف «في ظل الواقع المأساوي، أصبح الاتفاق على تهدئة في القطاع مطلباً شعبياً أهم من بدء الحوار الوطني واستعادة الوحدة»، مشيراً إلى أن «حماس» «تبحث من خلال فرض التهدئة عن الاعتراف الدولي بها كحركة سياسية وشريك في السلطة الفلسطينية، وفاعل في الإقليم».
واتفق رأي الشارع مع موقف إبراهيم من التهدئة، واختصر الموظف في الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، زاهر الندى، موقفه بالقول: إن «التهدئة مطلب شعبي».
لكن الندى خالف الكثيرين في خشيتهم من انهيار التهدئة سريعاً، متوقعاً أن تلتزم دولة الاحتلال بها، لأنها تواجه ضغوطاً من سكان المستوطنات المحيطة بالقطاع جراء سقوط الصواريخ المحلية الصنع، وأيضاً من التجار الإسرائيليين الذين تكبّدوا خسائر فادحة جراء حصار غزة وعدم قدرتهم على تسويق منتجاتهم.
وقال مدير وحدة البحث الميداني في مركز الميزان لحقوق الإنسان، سمير زقوت، إن «صبر الفلسطينيين على المعاناة والألم وصل حداً لا يطاق»، لافتاً إلى أن «التهدئة باتت فرصة الفلسطينيين للخروج من أزمتهم الخانقة بعد عام من الحصار المشدد». غير أنه يبدي خشية من انهيار التهدئة بعد وقت قصير «كما حدث في مرات كثيرة سابقة، إذا ما أقدمت قوات الاحتلال على ارتكاب أي خرق تضطر معه فصائل المقاومة إلى الرد».
أحمد، الذي اضطر إلى الدراسة في جامعة الأزهر في مدينة غزة بفعل عدم تمكنه من مغادرة القطاع للدارسة في إحدى الجامعات الأردنية، قال معلقاً على التهدئة: «لقد عشت سنة كاملة هي الأسوأ في حياتي، وأتمنى ألا تتكرر مرة ثانية». وعبر عن أمله في تحسن الوضع المعيشي لمليون ونصف مليون فلسطيني في غزة بعد عام كامل من إغلاق المعابر والحصار، أفقد كثيراً من المرضى حياتهم، وضاع خلاله مستقبل المئات من الطلبة، جراء عدم تمكنهم من السفر.
لكن أحمد يبدي تخوفاً وقلقاً كبيرين من عدم استمرار التهدئة. وقال إن «الاحتلال يسعى إلى استثمار التهدئة داخلياً، وفي الوقت الذي تنتهي مصلحته منها، سيعاود التصعيد من جديد».
‏ وقال المواطن الفلسطيني حمدان النجار (41 عاماً) إنه يتمنى أن تتم التهدئة، ولكنه يشك باستمرارها طويلاً لو حدثت. وأضاف أن «التهدئة ووقف إطلاق النار حلم بالنسبة له»، بعدما فقد اثنين من أبنائه وبات يخشى على الخمسة الباقين من المصير ذاته.
وقال النجار، الذي يقطن في منزل يبعد 800 متر عن السياج الأمني الإسرائيلي شرق خان يونس جنوب قطاع غزة، إنه كثيراً ما يضطر لإخلاء منزله بسبب القصف أو التوغل، ويتمنى أن تنجح هذه التهدئة ليعيش بأمان، من دون أن يخفي شكوكه بالتزام إسرائيل. وأضاف «لا أظن أنهم (الإسرائيليون) سيلتزمون. تجربتنا معهم أنهم يقولون شيئا ويفعلون شيئاً آخر».
كما شكك أمين السميري (39 عاماً)، الذي يقطن في بلدة القرارة ويبعد منزله 1500 متر عن موقع كيسوفيم العسكري الإسرائيلي، باستمرار التهدئة قائلاً «إذا حصلت لن تدوم لأن الاحتلال لا يريد أن نعيش بأمان، وكما خرق الاتفاقات السابقة سيخرق هذه التهدئة».
وقال أحمد مصباح، صاحب شركة مقاولات، لوكالة «يونايتد برس انترناشونال»، «نتمنى حصول تهدئة لنتمكن من العودة لأعمالنا التي توقفت. لقد لحقت بنا خسائر كبيرة خلال السنة الماضية، ونأمل أن تفتح المعابر كما يقولون، وتدخل المواد الأساسية المستخدمة في البناء كي نتمكن من استئناف نشاطنا الذي نتوقع أن يشهد حركة نشطة إذا فتحت المعابر».
وتمنى يوسف السميري (45 عاماً) أن تحدث التهدئة، ولكنه أبدى تشاؤماً في حصولها. وقال «تجربتنا مع الاحتلال لا تشير إلى نوايا تهدئة. كل يوم قصف وتوغل. وآخر ذلك قصف سيارة واغتيال ستة. أي تهدئة وهذا القصف مستمر؟». وأضاف «سأكون سعيداً لو حصلت التهدئة، لأنني أريد أن يتوقف الخوف الذي يعيشه أبنائي عند كل قصف وتوغل».