strong>تعيش اليابان اليوم على وقع الاستعدادات لاستضافة قمة مجموعة الثماني الصناعيّة، وسط حديث متزايد عن رغبة طوكيو في ضم الصين إلى المجموعة لتصبح «قمة التسع»، على اعتبار أن «القمة من دون الصين لم تعد قمّة»


أوساكا ــ بسّام الطيارة
العائد إلى اليابان تفاجئه كل مرة أشياء جديدة وتحولات ثورية في المجتمع. جديد هذه الأيام، إلى جانب تلوين الشعر، هو «الوجود المكثف للسياح الصينيين». الصين اليوم في كل مكان في اليابان: يجوب صينيون شوارع مدنها وتحتل البضائع «اليابانية المصنعة في الصين» عدداً متزايداً من رفوف المحال، حتى البضائع الأوروبية باتت تحمل البطاقة الشهيرة «Made in China» من دون أن يتضايق من هذا الأمر المستهلك الياباني.
في هذه الأجواء، تنعقد قمة مجموعة الثماني في السابع من الشهر المقبل. وتسير الاستعدادات على قدم وساق لاستقبال «الثمانية الكبار» في لقاء أرادت حكومة فوكودا ياسوو أن تضعه تحت عنوان «المحافظة على البيئة»، وهو من أبرز اهتمامات المواطن الياباني اليوم.
ومع هذا لم يعر أي ياباني اهتماماً لانطلاق «قافلة السيارات الكهربائية» من طوكيو في رحلة ٨٤٠ كيلومتراً نحو مقاطعة هوكّايدو الشمالية، حيث تنعقد القمة في محيط بحيرة «تويا» بعيداً عن الأعين وعن متناول الصحافة وحشرية المناهضين للعولمة. وقد أراد منظمو القمة أن تمثل قافلة السيارات الكهربائية «البطيئة ولكن غير الملوِّثة» معلماً تواصلياً يشير إلى «التوجه الجديد المطلوب من نمط النمو الاقتصادي في العالم».
فاليابان تعيش أزمة اقتصادية إلى جانب أزمة سياسية «نائمة تحت رماد جدول أعمال اللقاءات الدولية»، إلا أن اهتمام المواطنين ابتعد عن الاقتصاد والنمو وينصب على «مصير الأرض». ويحاول رئيس الوزراء فوكودا تحسّس هذه الرغبات في تحضيره جدول أعماله السياسي. وقد كشفت آخر استطلاعات الرأي أن حجم التأييد لفوكودا قد ارتفع بمقدار ضئيل بعدما «وصل إلى شبه الحضيض»، على عتبة الـ٢٠ في المئة نتيجة فرضه ضريبة كبيرة على المحروقات وتطبيقه نظاماً جديداً للتأمين الصحي، يلزم بعض من تتجاوز أعمارهم ٧٥ عاماً أن يدفعوا مبالغ تأمين إضافية.
ويرى بعض المراقبين أن فوكودا قد يسعى لفرض انتخابات مبكرة، رغم أنه يؤكّد للصحافيين «لدي جبل من المشكلات السياسية، لذا عليّ التفكير ملياً قبل اتخاد قرار». إلا أن بعض التسريبات من الحزب الليبرالي الديموقراطي الحاكم، الذي يرأسه فوكودا، تفيد بأن القرار ليس بيده، وبوجود إمكان تغيير زعيمه مباشرة عقب انتهاء قمّة الثماني.
والواقع أن رئيس وزراء البلاد لم يعد «رجل اليابان القوي» منذ سنوات بسبب المناوشات السياسية ولعبة التوازنات التي يصل بنتيجتها إلى موقعه ويظل أسيرها. ويشير البعض إلى أن ضعف موقع رئاسة الوزراء يضعف موقف الأرخبيل الياباني في المفاوضات الدولية، وخصوصاً أن هذا الضعف يتزامن مع «تصاعد طموحات اليابان لأداء دور على الساحة الدولية» وسعيها للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن.
ويترافق هذا التراجع في «الوزن السياسي للبلاد» مع بروز «الجار التاريخي الصيني» كعملاق اقتصادي تسعى الدول لاسترضائه وكسب أسواقه، ما يسمح له بالتملص رويداً رويداً من «قبضة اليابان الصناعية»، التي كانت حتى فترة وجيزة سابقة أكبر مستثمر ومُصنِّع في الصين.
وكانت الفكرة السائدة سابقاً بأن الصين يمكن أن تبقى «الحديقة الخلفية للصناعة اليابانية» لمدة طويلة، قدرها بعض الخبراء بعشرين سنة قبل أن تنتقل لتلحق بمسار النمور الآسيوية وتستقل عن التكنولوجيا اليابانية وعقودها الصناعية. إلا أن السياسة الصناعية الصينية وانفتاحها السريع على الغرب واستقبالها صناعاته ودخولها أسواقه حرر بكين من الارتباط مع طوكيو، وجعلها نداً صناعياً، وإن كانت أقل تطوراً، إضافة إلى الوزن السياسي للصين بسبب مقعدها الدائم في مجلس الأمن.
إشارات كثيرة تدل إلى «اعتراف اليابان» بدور للصين يناسب حجمها الجديد، ومنها إعلان سلطات البلدين عن «اتفاق لتقاسم حقل غاز كبير» (شيراكابا) كان محط خلاف منذ عقود، ويقع على بعد ٤٥٠ كيلومتراً في مواجهة أوكيناوا، رغم أن الدولتين من كبار مستهلكي الطاقة، إضافة إلى مجموعة من الاتفاقات الثنائية.
ومن هنا يرى البعض في اليابان أن «قمة ثمانية من دون الصين لم تعد قمة» بغياب هذا العملاق المالي والصناعي الكبير، وخصوصاً في ظل رغبة السلطات اليابانية بوضع مسألة التلوث البيئي على طاولة الزعماء الثمانية، إذ تبلغ «مساهمة الصين في التلوث» 18.8 في المئة، وتأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة (21.4 في المئة)، وتسبق بكثير اليابان التي لا تلوث سوى نسبة 4.5 في المئة.
وقد يفسر غياب بكين فشل الخبراء في الاتفاق على معدلات خفض التلوث في اجتماعهم أمس، تماماً كما لم يتفق وزراء المال قبل أيام في اجتماعهم التحضيري في أوساكا، ثاني مدن اليابان، على نقطتين تحتلان رأس قائمة اهتمامات الاقتصاد العالمي وهما ارتفاع أسعار النفط من جهة، وتراجع سعر الدولار من جهة أخرى، وتأثير هذه المعادلة على ارتفاع أسعار الغذاء في العالم.
إلا أن ارتباط هذا بذاك يجعل من الصين المحاور الأساسي «المفترض»، فهي كما يقول خبير ياباني متابع لتطور الاقتصاد الصيني، «جشعة للنفط، وتعيش طفرة دولار وشعبها جائع» بعد سنين من الحرمان. وتفرض شائعات نفسها هنا لتقول إن اليابان تسعى بقوة لحصول الصين على مقعد في قمة الكبار، لتصبح الدولة التاسعة في مقابل إقامة تحالف صناعي سياسي لتثبيت الأمن في المنطقة، وعدم معارضة بكين لحصول طوكيو على مقعد دائم في مجلس الأمن.