حسام كنفاني

لا تزال محاولات الشروع في الحوار الفلسطيني تصطدم بالكثير من العراقيل، التي لا توحي بانعقاد جلساته قريباً. ورغم التحضيرات الجارية في القاهرة لتأمين الأجواء المناسبة لاستضافة الأطراف الفلسطينية المتنازعة، فإن أي موعد لم يحدّد بعد لعقد جلسة الحوار، بانتظار تهيئة أرضية نجاحه. زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى دمشق نهاية الشهر الجاري قد تكون في إطار تهيئة هذه الأرضية، إلا أن المتابعين لمسار الحراك الفلسطيني منذ إطلاق أبو مازن دعوته الحوارية منتصف الشهر الجاري يشكّكون في إمكان إحداث الرئيس الفلسطيني لأي اختراق على صعيد العلاقات الثنائية بين «فتح» و«حماس»، مشيرين إلى أجواء متضاربة داخل «فتح» لا تسمح بإحراز التقدّم المطلوب في هذا السياق.
وتشير مصادر مطلعة على أجواء داخل «فتح» إلى أن دعوة أبو مازن بالدرجة الأولى كانت نابعة من ضغوط عربيّة وداخلية لإنهاء حال الانقسام الفلسطيني. وتوضح أن الضغوط الداخلية تأتي بشكل أساسي من الشق الغزّاوي في حركة «فتح» الذي وجد نفسه فجأة خارج السلطة وممنوع من العمل السياسي في القطاع. وتضيف إن جناح غزّة في حركة «فتح» يدفع نحو اتفاق محاصصة جديد مع حركة «حماس» يسمح بعودة هذا الجناح إلى السلطة التي اعتادها خلال العقد الماضي.
في المقابل، فإن جناح الضفة الغربية في «فتح»، مدعوماً ببعض رموز منظمة التحرير، لا يزال معارضاً لفكرة الحوار مع «حماس»، ولعل التصريح الأخير لأمين سر منظمة التحرير ياسر عبد ربه عن «البعد عن الحوار» خير دليل على التوجّهين اللذين يتنازعان حركة التحرير الفلسطينية.
وتوضح المصادر أن معارضة «فتح ـــــ الضفة الغربية» مستندة إلى اعتبارين أساسيين، أولهما رفض تقاسم السلطة مع حركة «حماس»، وخصوصاً في ظل هجمة الدول المانحة على تقديم الأموال للسلطة الفلسطينية. وعلى هذا الأساس يرى هذا الفريق أنه في غنى عن مخاطر خسارة «السخاء الدولي» إذا تمّ الاتفاق مع «حماس» من دون تطبيق الحركة الإسلامية لمطالب الرباعيّة الدوليّة المتمثلة بـ«نبذ العنف، والاعتراف بإسرائيل، والاعتراف بالاتفاقات الموقعة» بين السلطة الفلسطينية والدولة العبرية.
في الاعتبار الثاني، لا يرى فريق معارضة الحوار أن الأجواء الإقليمية والدوليّة مؤاتيّة لمثل هذه الخطوة في المرحلة الحاليّة. ويستدل إلى مقارنة بين الحوار اللبناني في الدوحة وما ينوي الفلسطينيون فعله، ليشير إلى أن أكثر من طرف عربي ودولي كان ملحّاً على جمع الأطراف اللبنانية على طاولة حواريّة، وأن محاولات سابقة جرت بمبادرات عربية ودولية لهذه الغاية، إلا أنها لم تحظ بالنجاح على غرار المبادرة القطرية.
ويتابع «فريق الضفة» وجهة نظره بأن الحال الفلسطينية الداخلية لم تشهد مثل هذا الحراك، فبعد اتفاق مكة لم تشهد الساحة الفلسطينية أي مبادرة حوارية، وحتى حوار صنعاء كان بعيداً عن أي رعاية عربية ودولية، ما أوصله في النهاية إلى الفشل.
هذه الأجواء لا تزال قائمة حالياً، وتؤكّد المصادر المطلعة على ذلك أن أي طرف عربي أو دولي لم يتلقف مبادرة الرئيس محمود عباس، وحتى ما يحكى عن حوار القاهرة لا يزال مغلّفاً بالكثير من الضبابية لجهة الموعد وجدول الأعمال والأطراف المشاركة فيه، وخصوصاً أن «فتح» تصرّ على إشراك فصائل منظمة التحرير، وهو ما ترفضه «حماس».
أمام واقع التجاذب داخل «فتح» لا يبدو أن أبو مازن حسم خياراته باتجاه الحوار غير المشروط، كما ورد في خطابه الشهير مطلع الشهير الجاري. وتؤكّد المصادر المطلعة على تصريحات الغرف المغلقة لأبو مازن أنه يشدّد على رفضه الدخول في حوار مع «حماس» على أساس المحاصصة. ويؤكّد أنه لن يقدم على خطوة حوارية قبل أن تقوم «حماس» بتسليم مقار الأجهزة الأمنية في قطاع غزّة لطرف عربي، وقبل أن تقوم ببادرة حسن نيّة تجاه السلطة.