بغداد ــ الأخبار

لكن يبدو أنّ النيّة لدى حكومة نوري المالكي تتركّز على تثبيت واقع الفرز الطائفي في بلاد الرافدين، إذ إنها، بدل العمل على تأمين عودة سريعة لهؤلاء، تنوي إبقاءهم في المناطق التي هُجّروا إليها قسراً.
وعن اعتصام ساحة الفردوس، يقول المهجّرون «بعد طول معاناة ووعود لم تتحقّق، لجأت العائلات العراقية المهجرة الى أسلوب جديد للمطالبة بحقوقها، وبيان مدى الحيف الذي لحق بها، من خلال الاعتصامات المفتوحة التي قرّرت البدء بها، للمطالبة بحقوقها وتأمين عودتها إلى منازلها التي هجّرت منها».
وقال منسّق الاعتصام، جبار الساعدي، وهو المتحدث باسم العائلات المهجرة، إنّ اعتصام ساحة الفردوس، الذي بدأ قبل أسبوعين، تشارك فيه أكثر من 400 عائلة مهجرة معظمها من بغداد. ويكشف أنّ العائلات قرّرت تأجيل الاعتصام «بعدما طلب منّا مجلس محافظة بغداد ذلك، إلّا أننا، بعد مناقشات مستفيضة مع المجلس لم نتوصل إلى شيء، إذ عرض علينا المجلس رواتب ضئيلة جداً، وهو ما رفضناه».
وفي داخل العراق حالياً أكثر من مليون و700 ألف نازح ومهجّر، بحسب إحصاءات وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، فيما تبين إحصائية حكومية لوزارة الهجرة والمهجرين أنّ عدد العائلات المهجرة بلغ أكثر من 120 ألف عائلة منذ عام 2006، التاريخ الأسود الفعلي لاندلاع الحرب الطائفيّة في بلاد الرافدين.
وتزايدت أعداد العائلات المهجّرة بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريّين في 22 شباط عام 2006. وتعدّ بغداد أكثر مدينة شهدت تهجيراً، تليها ديالى في المرتبة الثانية.
لكن يبدو أنّ مشكلة المهجّرين لن تجد حلاً سريعاً، إذ إنّ وزارة الهجرة والمهجّرين كشفت أخيراً أنّها تسعى حالياً إلى الحصول على الدعم المالي الدولي «لبناء مجمّعات سكنية لهذه العائلات في بغداد والمحافظات»، ما يعني توطينهم في أماكنهم الحاليّة، وقبول الأمر الواقع المبني على العزل الطائفي.
وفي السياق، قال مصدر في الوزارة إنّ هذا الدعم «سيسهم في وضع الحلول المناسبة لمشاكل العائلات المهجَّرة التي تعاني الكثير من المعوّقات بسبب هجرها منازلها، وحتى تلك التي عادت إلى أماكن سكنها السابقة فهي بحاجة إلى دعم مالي لإعادة تأهيل منازلها المتضررة». وأوضح أنّ لدى وزارة الهجرة مشاريع لإنشاء مجمّعات سكنية في محافظات واسط وميسان والبصرة ومحافظات أخرى ستموَّل من منظمات دولية، إضافةً إلى الدعم الحكومي من خلال الميزانية السنوية للوزارة».
وبما أنّ المنظمات الدولية تظهر في الفترة الأخيرة اهتماماً استثنائياً في موضوع المهجّرين العراقيّين، فقد أكّد تقرير للمنظّمة لشؤون اللاجئين أنّ حكومة نوري المالكي «فشلت في دعم ملايين النازحين الداخليّين»، وهو تقرير لاقى انتقادات قاسية من جانب الحكومة.
وأضاف التقرير، الذي صدر قبل نحو شهرين، إنّ الحكومة العراقيّة، «رغم تحكّمها في مبالغ طائلة تحت تصرفها، فإنها تفتقر إلى الإرادة السياسية والقدرة على تلبية الاحتياجات الإنسانية».
وأشار إلى أنّ الفراغ الناتج من فشل المجتمع الدولي والحكومة العراقية في التحرك في الوقت المناسب وبالشكل المناسب لتقديم الدعم إلى ملايين العراقيين من الفقراء والنازحين، «أدّى إلى أن تقوم قوى سياسية ومنظمات بملء هذا الفراغ واستغلاله لمصلحتها».
وكانت مفوّضية اللاجئين في الأمم المتحدة قد ذكرت أنّ الولايات المتحدة قدّمت ما يزيد على 480 مليون دولار لمساعدة اللاجئين والنازحين الداخليين، وتخطط لتقديم 280 مليوناً إضافية خلال العام الجاري، إلا أنّ المهجّرين ينفون تلقّيهم أيّ مساعدات.
وتعيش العائلات المهجّرة وضعاً مأساوياً بسبب عدم توافر سكن ملائم وفرص الحياة الملائمة لها، كما أنّ عدداً كبيراً منها يعيش في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقوّمات الحياة.
ويلفت أبو محمد، وهو رب أسرة مهجّرة تشارك في الاعتصام، «جرى تهجيرنا منذ أكثر من عام ونصف عام، ولم نجد من الحكومة أي مساعدة أو حل لمأساتنا». ويضيف «نلجأ إلى الاعتصام من أجل أن نبيّن للرأي العام والحكومة التي أغفلت معاناتنا، مدى صعوبة وضعنا، ولنطالب بحقوقنا كعراقيين، التي على الحكومة أن تتكفّل دفعها لنا».
ويتابع أبو محمد إن على الحكومة «توفير الأمن لنا وإعادتنا إلى مناطق سكننا، إلا أننا، من خلال عودة بعض العائلات المهجرة، وجدنا أنها تعرّضت للقتل والتهجير مرة أخرى، دون أن تتدخّل الحكومة أو توفّر الحماية لها».
من جهته، يتّفق كريم مهدي (50 عاماً) مع كلام زميله في مأساة التهجير الطائفي، فيعبّر بغضب عن أنّ منزله «سرق وجرى تهجيرنا من منازلنا ولم تحرك الحكومة ساكناً، فكيف نثق بوعودها».