باريس ــ بسّام الطيارة

باتت الإجابة عن سؤال عمّا إذا كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد تعلّم من أخطائه، محطّ اهتمام كلّ المتابعين لشؤون الجمهورية الخامسة. فهو حيناً يقول «نعم تعلّمت من أخطائي» ويعد بالابتعاد عن الأضواء وعدم إبراز تفاصيل حياته الخاصة على صفحات الإعلام، فإذا بمجلة «باري ماتش» تطالع القارئ، الأسبوع الماضي، بغلاف لساركوزي وكارلا بروني واثنتي عشرة صفحة داخليّة تظهر الزوج الرئاسي تحت «بريق ذهب قصر الإليزيه»، مع الإشارة إلى أن «كارلا وضعت بنفسها كلام صور الريبورتاج».
ثمّ يعد الرئيس بـ«ترك الوزراء يعملون» والامتناع عن إطلاق تصريحات تحمل مشاريع وطروحات لم تدرس مسبقاً تحشر الحكومة وتسهم في تراجع شعبيته، فإذا به يوم السبت الماضي، في مناسبة «يوم العبودية»، يطلق تصريحاً رنّاناً جديداً من المنتظر أن يثير أكثر من ردّ فعل ويترك انعكاساً سلبياً جديداً على شعبيته المنهارة.
فقد رأى ساركوزي أنّه من الضروري أن تتضمن كتب دراسة التاريخ في الصفوف الابتدائية موضوع العبودية والاستعباد «حتى يفهم أطفالنا ما هي العبودية ويقيسون الآلام التي خلّفتها والجروح التي تركتها في النفوس». وهو تصريح ذكّر بـ«قنبلة صوتية» سابقة حين طالب بجعل كلّ طفل فرنسي في الصفّ الخامس ابتدائي يحمل قصّة طفل قضى في المحرقة اليهودية.
ورغم كون فرنسا تمرّ في إجازة طويلة، فقد قامت قيامة الجسم التعليمي، لا بسبب الطرح وتأثيره على نفوس الأجيال الناشئة، كما هي حال «أطفال المحرقة»، بل لأن موضوع العبودية موجود أصلاً في المناهج الدراسية لتلامذة الصفين الرابع والخامس ابتدائي. حتّى إنّ بعض المعلّمين لم يتردّد في التساؤل في الصحف والتلفزيونات «عمّا إذا كان ساركوزي قد فتح كتب تاريخ في حياته».
ويقول مصدر في الإليزيه إنّ الرئيس «لم يخطئ ولم يخترع الماء الساخنة»، وإنه أراد فقط التشديد على هذه المادة، وهو ما أكّده أكثر من مصدر في وزارة التربية والتعليم.
ولكن أحد الناشطين في نقابة المعلّمين يرى أنّه من الغرابة طلب تشديد الدراسة لهذه المادة بعد أن تم حذف ساعتي تاريخ من الصفوف الابتدائية، في إشارة إلى تخفيف عدد المعلّمين، وهو ما أنزل الجسم التعليمي إلى الشوارع منذ أشهر في تظاهرات تطالب بالتراجع عن خطوات عصر النفقات التي تطال المدرسة الفرنسية وبرامجها التعليمية.
ويشير مراقب آخر إلى أنّ ساركوزي، بعدما استوعب الضربة التي قامت بسبب «أطفال المحرقة»، يريد أن يقدم «هدية مجانية» للفرنسيين من أصول أفريقية، وخصوصاً أن هؤلاء لم يسامحوه بتاتاً على خطابه في السنغال في الصيف الماضي، حيث انتقد بقسوة الأفارقة.
ومع ذلك، فإنّ التوقيت ليس مصادفة. فيوم الخميس المقبل يصادف يوم إضراب للمعلمين. فإما أن ساركوزي أراد أن يحرف التظاهرات عن أهدافها المطلبية بجعل الحديث عن العبودية في محور التحرك، أو أنه أراد أن يمرّر رسالة إلى أهالي الطلاب والمعلمين المتردّدين في النزول مرة أخرى إلى الشوارع مفادها أنّه «يعمل بينما المعلّمون يتظاهرون».
إلّا أنّ رأياً آخر يلفت إلى أنّه يمكن أن لا يكون هذا ولا ذاك. فساركوزي يطبّق سياسة «قيادة الدراجة»، وعليه أن يدوس ويدوس من دون توقف. عليه أن يفعل كل يوم شيئاً جديداً حتى لا يغوص في ظل النسيان الإعلامي، لأنه لا يرى لنفسه نجاحاً إلا في الأضواء الإعلامية، مهما كان لونها، نقداً أو تبجيلاً.