strong>تصدّرت باريس المرحّبين بالاتفاق اللبناني في الدوحة، وسط توقّع زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى بيروت بعد انتخاب رئيس الجمهورية الأحد المقبل، فيما أبقت مصادر دبلوماسيّة فرنسية على حذرها من تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة


باريس ــ بسّام الطيارة
رأى الرئيس نيكولا ساركوزي أن اتفاق الأفرقاء اللبنانيين في الدوحة «نجاح كبير»، داعياً إلى تطبيق هذا الاتفاق بشكل كامل، ومشيداً بجهود جميع من ساهم في التوصل إليه. ووجه الرئيس الفرنسي، في بيان، التحية إلى جميع «المسؤولين السياسيين اللبنانيين الذين حصلوا اليوم على المكافأة لتصميمهم على حل مشكلات بلادهم من خلال الحوار». كما حيا جهود جميع من ساهموا في الوصول إلى هذا الحل الذي «فتح الطريق أمام تعزيز السلم الأهلي والعودة إلى العمل الطبيعي للمؤسسات». وخص الدور المصمم لأمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس وزرائه حمد بن جاسم والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى. وأعرب عن أمله في أن يصار إلى تطبيق الاتفاق «بشكل كامل لضمان نجاحه وإرساء قواعد المصالحة الوطنية الحقيقية».
كما رحب وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بالاتفاق، الذي يشكل «مرحلة أساسية في إعادة بناء وحدة لبنان واستقراره واستقلاله». وقال، في بيان، «هذا الاتفاق مستوحى من الجهود المشتركة التي بذلتها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا في الخريف، ومن المبادئ التي تبنّاها الأطراف اللبنانيون في أثناء زيارتي الأخيرة إلى بيروت في كانون الأول 2007، من دون التوصل إلى اتفاق حينذاك».
في هذا الوقت، لم تستبعد المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال أندرياني، رداً على سؤال لـ«الأخبار»، زيارة كوشنير لبيروت خلال وجوده في المنطقة.
وقد أكد أكثر من مصدر احتمال توجه كوشنير إلى بيروت لأنه «يودّ حضور انتخاب الرئيس الجديد». كما لم ينف مستشار مقرب جداً من الرئيس الفرنسي إمكان زيارة ساركوزي إلى بيروت «مباشرة بعد انتخاب العماد ميشال سليمان».
إلا أن أحد المراقبين قال إن «برامج الزيارات هذه لا تزال حبراً على ورق» بانتظار الدخول في حيز تنفيذ المتفق عليه، والذي «لا يبدو أن باريس كانت بعيدة عن أجوائه». فقد أكد مصدر مسؤول مقرب من الملف اللبناني أنه بعد الاتفاق الجديد «سوف نشهد تحوّلاً قوياً في دور رئيس الجمهورية الذي سيكون مركزياً» وأن مهمة إدارة الحوار الوطني ستكون في عهدته، كما «أن المعادلة الحكومية ستفسح مجالاً لممثليه» لأداء دور لولبي في إدارة البلاد.
وحول القانون الانتخابي، قال المصدر «هناك عناصر عدة يمكن تبنّيها من القانون الانتخابي» لرفع حالة التشنّج من شوارع العاصمة. ويتابع بأن شكل ومعايير توزيع الحقائب الحكومية ستسمح بالذهاب سريعاً إلى انتخابات تشريعية لـ«الحصول على تقييم جديد لتوازن القوى المستجد في البلاد»، إذ إن الحكومة العتيدة «لن يكون لديها برنامج واسع»، بل سوف ينحصر على الأغلب بـ«تشريع قانون انتخابي وتنظيمي للانتخابات».
ولا يستبعد المصدر «عودة العامل الإقليمي» ما إن يعود الأفرقاء إلى العاصمة، ولا ينكر أن إيران وسوريا خرجتا أقوى بعد ما شهده لبنان من حدة. إذ يرى «في انتصار حزب الله انتصاراً لإيران»، ولكنه يؤكد بأن القناعة في باريس هي أن «طهران لم تكن تبغي سوى إضعاف الحكومة»، أما في ما يتعلق بسوريا «فإن الوضع شديد التعقيد».
ويتابع المصدر بأن «مسألة المحكمة لن تطرح بطريقة حادة على الحكومة اللبنانية»، وبالتالي على حزب الله «قبل أن تخرج نتائج التحقيق رسمياً». وكشف بطريقة غير مباشرة توجه الاحتمالات التي تدرس عندما تصدر أول القرارات الظنية بقوله «إذا ما اتهم التحقيق رسمياً وبوضوح وصراحة مقربين من سوريا أو شخصيات سورية باغتيال الرئيس رفيق الحريري فستكون الحكومة المقبلة أمام خيارات عدة»، مرجحاً بقاءها على خيار «التعاون مع الأمم المتحدة» من دون أن يستبعد «الانخراط في عملية عرقلة» رغم اختلاف الحكومة المقبلة عن الحكومة الحالية، وبالتالي يمكن أن تنقسم مرة ثانية «حول هذه المسألة».
ورغم كون «حزب الله يملك إمكانات كبيرة للعرقلة»، إلا أن المصدر استبعد العراقيل من طرفه، واستدرك قائلاً «سيكون تحت ضغط الرأي العام اللبناني والدولي لتحديد موقف»، متوقعاً أن يكون إيجابياً.
أما بشأن «العراقيل الخارجية الأخرى»، ورداً على سؤال عن موقف الأميركيين وما إذا كان هناك تباين في وجهات النظر بين باريس وواشنطن، قال المصدر «عندما يكون خلاف معهم فإنه يكون على مستويين: التحليل والسياسة»، نافياً وجود تواصل حالي بشأن الملف اللبناني، إلا أنه أسرّ بأن «إيران تنتظر الانتخابات الأميركيّة» وأن تصميمها على «تعزيز وتقوية دور حزب الله بكل الوسائل سياسياً وعسكرياً» هو بانتظار لحظة التفاوض مع واشنطن.
وفي ما يتعلّق بسوريا، يقول مصدر آخر في الدبلوماسية الفرنسية «عندما نتحدث إليهم لا نشعر بأنهم في مرحلة تراجع» رغم وصول رسائل «غير لطيفة إليهم»، مشيراً إلى قصف «مزرعة في دير الزور» واغتيال عماد مغنية في قلب دمشق، رغم استدراكه وقوله «بوجود فرضيات كثيرة عن (اغتيال مغنية)».
ويكشف المصدر قراءة باريس للأمرين بأنهما «رسالة من إسرائيل وبرهان على أنهم قادرون على الضرب أينما يشاؤون»، وأنه سيكون لها أثر على علاقات حزب الله بسوريا وقد يكون هذا من أهداف الرسائل الإسرائيلية.
ويعترف أكثر من مراقب بأن الملف اللبناني دخل في مرحلة «هدوء نسبي» من دون أن يخرج من مسار المطبات، إذ إن المنطقة مقبلة على «تغيرات كثيرة لا تنتظر سوى الانتهاء من ترتيب البيت الأبيض والإدارة الأميركية الجديدة». ويعود التشديد في أوساط المهتمين بالملف اللبناني إلى أن باريس «كما فعلت تاريخياً» تودّ تجنيب بلاد الأرز ارتدادات الهزات الإقليمية المحيطة به.