أزمات الكواليس تظهر إلى العلن: مبارك يتحدّى بوش!


القاهرة ـــ وائل عبد الفتاحهذه الصحف وصفت بوش بـ«البلطجي» و«الصهيوني الأول» و«داعية حروب» و«مشعل حرائق». الأوصاف تصاعدت إلى حدود استخدام شتيمة شعبية هي «الجلياط» أي قليل الذوق الذي يتكلم بغباء.
الصحف نفسها أبرزت تصريحات لجمال مبارك تصف خطاب بوش في المنتدى الاقتصادي الدولي الذي عُقد في شرم الشيخ أخيراً بأنّه «محبط للآمال»، ليكتمل شكل حملة استهدفت أعلى رأس في النظام، وهو الرئيس مبارك، الذي غادر قاعة المؤتمرات في افتتاح المنتدى قبل أن يلقي بوش كلمته، ردّاً على حضوره متأخّراً أكثر من ساعة وعدم استماعه إلى خطاب نظيره المصري.
والأزمة، كما يبدو، أبعد من حرب الخطابات بقليل، وهي من نوع الأزمات المكتومة التي تتراكم ببطء ثمّ تنفجر فجأة لتكشف عن شيء ما دار في الكواليس ولم يُعلَن.
سرّ الكواليس لم يُكشف بعد، وإن كان الأقرب الى الظنّ أنّه يدور في منطقتين؛ الأولى هي أزمة الأسعار والخبز في مصر وهي أخطر أزمات هدّدت نظام مبارك طوال ٢٧ سنة، وكان من المنتظر أن تمتدّ أيادي المساعدة، وأوّلها اليد الأميركيّة، لكي لا تترك نظام مبارك يواجه ثورة الجوع وحده. لكنّ امتداد الأزمة وتبخّر حلول النظام في أقلّ من ٣ أسابيع وعودة طوابير الخبز وعدم السيطرة على الارتفاع الهستيري للأسعار، كلّها أدلة على أنّ الأزمة حقيقيّة، وأنّ النظام لا يملك مقوّمات ذاتية على تجاوزها. كما أن اليد الأميركيّة القوية رهنت المساندة بتقديم خطوات ديموقراطية ملموسة (من بينها غالباً الإفراج عن رئيس حزب الغد أيمن نور) لتكون خاتمة طيبة لسنوات بوش التي تُعَدُّ الأسوأ في تاريخ المنطقة.
المقايضة لم تتمّ، وهو ما ظهر في حرب الخطابات؛ فمبارك ركّز على إدانة الدول الكبرى التي تستخرج الطاقة من المواد الغذائية فترفع الأسعار. بينما شدّد بوش على سلطوية أنظمة المنطقة التي لخّصها بأنّها: حاكم في السلطة ومعارضة في السجن.
الإشارة استفزّت نظام مبارك، وبدت الردود شرسة وعلى مستويات كانت بعيدة مثل جمال مبارك الذي دخل على الخطّ منتقداً الخطاب الأميركي، وخصوصاً في الموضوع الفلسطيني، وهو الخطّ الذي تكرّر في الصحف وفي متن تصريحات مسؤولين آخرين، وهي طريقة هدفت غالباً إلى إظهار أنّ المحرّض على الديموقراطية في مصر، هو نفسه الداعم الأول لإسرائيل.
هذا الربط يحدث بتقنيات سياسية مستوحاة من الستينيات، رغم أنّ مبارك اعتمد على مقولة أنّ زمن الأناشيد انتهى وأنّ خروج مصر من الملعب هو حكمة لا يعرفها المغامرون وعشاق القتال المجاني بالنيابة عن الآخرين، وأنّ توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل منح مصر فرصة إعادة بناء الدولة المنهكة من الحروب.
عموماً هي أفكار أعجبت قطاعات كبيرة من شعب حُرم من حياته الطبيعية بسبب الحروب. وبرّرت كلّ الحقبات من عبد الناصر إلى مبارك مروراً بالسادات هذه الحجّة بالإشارة إلى أنّ جميع كوارث الفقر وتأجيل الديموقراطية هي بسبب الحرب مع إسرائيل.
اليوم يستخدم النظام ورموزه تعابير تذكّر باستخدام القوة في الوقت نفسه الذي تهندس فيه القاهرة اتفاق تهدئة بين «حماس» وإسرائيل. ويبدو هذا التكتيك الورقة الأخيرة في دور مصر خارج حدودها الذي ظلّ يتآكل طوال سنوات حكم مبارك إلى حدّ الغياب تقريباً عن الترتيب الجديد في قوى المنطقة، سواء في العراق أو حتّى في لبنان.
المهمّة المطروحة على مصر ترتبط بقوتها العسكرية وتأدية دور في الحروب بالوكالة. لكنّ ذكاءً فطريّاً يتمتّع به مبارك جعله يرفض التورّط في صنع غطاء لاحتلال القوّات الاميركية لبغداد، رغم أنّ الموافقة قبلها بسنوات قليلة على الاشتراك في «حرب تحرير الكويت» لم تكن بعيدة عن «التورّط».
وفي أزمة لبنان الأخيرة، لم ينصّ الاقتراح المصري إلا على إرسال قوّة عربية. والغريب أنّ هذه هي الورقة الوحيدة لمصر، «الكيان الكبير» في المنطقة، بينما جاء الحلّ من «الكيانات الصغيرة»، تحقيقاً لنبوءة ما بعد أيلول ٢٠٠١.
جميعها عوامل تجعل من الممكن تصوّر بعض ما دار في الكواليس وتحوّل في العلن إلى أزمة يكاد نظام مبارك أن يصوّرها على طريقة الأفلام الاميركيّة: مبارك يتحدّى بوش.