مي الصايغ

رغم مرور 3 سنوات على توقيع اتفاق السلام الذي أنهى 20 عاماً من الحرب بين شمال السودان وجنوبه، لا يزال مصير إقليم أبيي معلقاً، إذ إن مسألة الحدود غير الواضحة في هذه المنطقة الغنية بالنفط، تجعلها الشرارة التي قد تعيد إشعال الحرب الأهلية، في ظل إصرار كل من الخرطوم وجوبا على تبعيتها لها. حرب أهلية عاد شبحها ليطل برأسه من جديد، مع تحوّل خط التماس الفاصل بين الشمال والجنوب السوداني إلى مسرح لمواجهات دامية اندلعت الأربعاء الماضي بين قوات من الجيش الشعبي لتحرير السودان وعناصر مسلحة بعد حادث منعزل شمال أبيي.
غير أن الصراع اتخذ هذه المرة طابعاً مختلفاً عما كان عليه في السابق، إذ كانت الاشتباكات تقع دائماً بين قبائل المسيرية العربية وقوات الحركة الشعبية. ولم تكن القوات المسلحة طرفاً فيه، مثلما حدث في الاشتباكات الأخيرة التي كان سببها اعتداء الجيش الشعبي على أحد أفراد قوات «سوم» المحسوبة على القوات المسلحة، التي دخلت على الخط وأصبحت شريكة في القتال، بعدما كان الجيش الحكومي طرفاً في مراقبة الأوضاع عبر اللجنة العسكرية المشتركة.
ولم تكتف القوات المسلحة السودانية بذلك، بل هددت بمحاسبة المسؤول السياسي للحركة الشعبية في المنطقة ومن يقف معه «إذا لم ينصع لقرارات وقف إطلاق النار». وردّت الحركة الشعبية باتهام الجيش الحكومي بدعم المجموعة الجديدة.
ومنذ شهور عديدة، تصاعدت حدّة التوترات بين جنوب السودان والخرطوم، بسبب تأخير تنفيذ معاهدة سلام 2005، ويتبادل الجانبان الاتهامات بالمسؤولية عن هذا التعطيل. وكانت حكومتا ولايتي جنوب كردفان في شمال السودان وولاية الوحدة (جنوب) توصلتا في نهاية نيسان الماضي إلى اتفاق لإنهاء التوترات في مناطق التماس في أبيي المتنازع عليها، يقضي بالانسحاب الكامل للجيش الشعبي من المنطقة.
بيد أن حكومة الخرطوم تشدّد على أن أبيي هي منطقة تمازج بين القبائل العربية والأفريقية، نافيةً كونها خالصة لطرف دون الثاني. وما يزيد الوضع تعقيداً، أن قبيلة المسيرية الرعوية تتشدّد في رفض الحدود الجديدة، مشيرةً إلى أن ذلك يحرمها من حقوقها التاريخية في الرعي جنوباً في غير موسم الأمطار.
في المقابل، تصرّ الحركة الشعبية لتحرير السودان، على أن أبيي كانت تابعة للجنوب قبل سنة 1905، لكنها ضُمّت من الحاكم العام البريطاني لشمال مديرية كردفان بقرار إداري، مطالبةً بإعادتها إلى الجنوب. وتضيف الحركة أن العلاقة بين مجموعة الدينكا والعرب عرفت تغييراً في فترة الرئيس السابق إبراهيم عبود، حيث حاول عبود إنهاء مشكلة الجنوب عبر العمل العسكري، إضافة إلى جهود الأسلمة والتعريب هناك، وحينها بدأ عدد من أبناء دينكا أبيي في الالتحاق بالحركات المسلحة الجنوبية.
وفي ما يتعلق بثروات أبيي، تطالب الحركة الشعبية لتحرير السودان، حزب المؤتمر الوطني بتقاسم عائدات النفط، كما تنص معاهدة السلام، إذ يحصل الجنوب بموجبها على 42 في المئة من الثروة النفطية. لكن الحركة الشعبية لتحرير السودان نفت حصولها على شيء، مقدرةً العائدات الضائعة عليها بأكثر من مليار دولار.
وينفي المشرف السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان، أدورد نينو، أن تكون الحركة قد تخلّت عن تعهداتها بالالتزام باتفاق السلام الشامل، مؤكداً أنه لولا مواقف الحركة الشعبية لكانت الحرب قد عادت منذ مدة. وأشارت الحركة إلى أن صبرها بدأ ينفد تجاه ما تراه فشل شريكها بالحكم (المؤتمر الوطني) في تنفيذ اتفاق أبيي المنصوص عليه في اتفاق السلام لعام 2005.
اتفاق السلام هذا لحظ إجراء استفتاء في عام 2011 لتقرير مصير منطقة أبيي الغنية بالنفط، يقرر فيه سكانها ما إذا كانوا يريدون الإبقاء على النظام الإداري الخاص الذي يتمتعون به حالياً في ظل سيادة حكومة الشمال، أو الانضمام إلى الجنوب، مع منحها الحكم الذاتي.
كما أحالت اتفاقية السلام حسم النزاع بشأن حدود منطقة أبيي، التي يسكنها خليط من قبائل المسيرية ذات الأصول العربية وقبيلة الدينكا الجنوبية، إلى لجنة تحكيم دولية. غير أن المؤتمر الوطني الحاكم رفض القبول بقرار لجنة التحكيم التي ترأسها السفير الأميركي الأسبق لدى الخرطوم دونالد بيترسون، مبرراً رفضه بأنها تجاوزت مرجعيتها، وعيّنت حدوداً خارج الصلاحيات الممنوحة لها، فيما اتهمه البعض برفض النتائج لأنها تقود بطبيعة الحال إلى التخلي عن الآبار النفطية، ولا سيما أن أبيي تنتج نحو ثلث نفط السودان.
وأمام تحذير مجموعة الأزمات الدولية من وجوب حصول تدخل دولي للمساعدة على حل مسألة أبيي، واعتبار جماعة «إيناف» الأميركية في تقرير لها في كانون الثاني بأن أبيي هي «كشمير السودان» وأنها يمكن أن تشعل حرباً أهلية جديدة إذا لم تحل، يبدو أن الطوفان أتٍ لا محال، فهل تنجح جوبا والخرطوم في درء نسف اتفاقية نيفاشا للسلام؟