باريس ــ بسّام الطيارة

ترفض الدبلوماسية الفرنسية الإقرار بأنها تعكف على «إعادة نظر» لمسار سياستها في الشرق الأوسط عموماً، وتجاه سوريا ولبنان خصوصاً، بعد اتفاق الدوحة، ولكنها تقبل بالقول إن هناك إعادة إحياء لمسار العلاقة بين دمشق وباريس، التي يصفها مصدر دبلوماسي بأنها «تاريخية».
ويفسّر المصدر إعادة التموضع هذه بأن «سوريا قامت بما يجب فعله في لبنان»، وبالتالي فإن باريس في طور إعادة «تقويم العلاقات بينها وبين دمشق» كنتيجة لـ«الدور التسهيلي» الذي قامت به سوريا. إلا أن مراقبين يطرحون كمّاً من الأسئلة «عن نمط وسرعة عودة الحياة» إلى مسالك العلاقات بين العاصمتين. الجواب يأتي من مصادر عديدة سريعاً وحاسماً: «لن تأخذ الأمور وقتاً طويلاً». بمعنى آخر، إن الدوائر الدبلوماسية المتابعة لملف العلاقات الثنائية تعكف على دراسته ودراسة مجموعة الملفات والمسائل التي جمّدها الملف اللبناني.
ويعترف أكثر من مسؤول بأن وزارة الخارجية الفرنسية (الكي دورسيه) تتلمّس «حسن نية كبير في لبنان» لدى الأفرقاء كافة، وأن عودة اللعبة إلى أيدي اللبنانيين ترسم عودة حرية الحركة لدفع «الملفات السورية ــــ الفرنسية العالقة نحو طاولة العمل». ويرى مسؤول دبلوماسي أن «لائحة القضايا الثنائية طويلة» وتشمل الحوار الاقتصادي وتفعيل العمل والعلاقات على مستوى المجتمع المدني، مشيراً إلى «إمكان إعادة تفعيل اتفاق التعاون المجمّد حالياً بين الاتحاد الأوروبي وسوريا». ويقول إن «كل شيء كان مجمّداً، وبالتالي فإن كل شيء في طور إعادة التفعيل» على أعلى مستوى.
ولكن المصدر نفسه يرفض تحديد المستوى، وإن أكّد أن «التواصل على المستوى الوزاري» لم يتوقف، مذكّراً بلقاءات وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونظيره الفرنسي برنار كوشنير.
إلا أن معلومات متواترة تشير إلى إمكان «عودة الملف إلى الإليزيه مرة أخرى»، وأن تعود قناة الاتصالات إلى الأمين العام للرئاسة كلود غيان أو المستشار الرئاسي جان دافيد ليفيت، ليضعا اللبنة السياسية لهيكل علاقات جديد يدور حول الرغبة في تفعيل إيجابية مشاركة سوريا في قمة الاتحاد من أجل المتوسط.
وتشدد المصادر على أن «مهمة السفير ألان لوروا في دمشق (يوم الجمعة الماضي) لم تكن سياسية بل تقنية فقط»، حيث دار البحث فيها حول «مشاريع محددة» يمكن لسوريا الاستفادة منها أو المشاركة فيها، وتشير إلى الدور المهم الذي يمكن أن تمثّله مشاركة سوريا في القمة على «صعيد التفاعل بين الشق الجنوبي والشق الشمالي» في المتوسط.
وقال مصدر مسؤول لـ«الأخبار» إن العلاقات السورية ــــ الفرنسية في المرحلة الحالية تقع ضمن مثلث، ضلوعه هي الملف اللبناني والعلاقات الثنائية في جميع الحقول وقمّة الاتحاد من أجل المتوسط، من دون أن ينفي أن تقدماً على صعيد «الحوار السوري ــــ الإسرائيلي يسهم بشكل بارز» في بث الحرارة في دينامية مرحلة إعادة التواصل هذه.
ويرى بعض المراقبين العرب في العاصمة الفرنسية أن على باريس أن «تستعجل إعادة تفعيل سياستها الشرق أوسطية وأن تخرج من الجمود الذي حشرها فيه التحاقها بالسياق الأميركي» حين عجزت عن تثمير لقاء سيل سان كلو اللبناني. ويضيف هؤلاء أن الوصول إلى اتفاق الدوحة لم يكن ممكناً لولا عودة ما كان يعرف باتفاق «بيكر ــــ هاميلتون»، الذي يدعمه المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية جون ماكاين ولا يمكن أن يعارضه المرشح الديموقراطي باراك أوباما، ويرون أن ساركوزي عليه أن يقفز اليوم نحو مربع مصالح فرنسا قبل أن تعيد الإدارة الأميركية ترتيب شؤونها وتعود إلى نسج علاقة مباشرة مع الأطراف الإقليمية.