أرنست خوري

العراق واحدة من الدول «الفاشلة» التي لا يُعرَف ما إذا كان استحقاق انتخابي سيجري في موعده المحدّد إلا في اللحظات الأخيرة. فبالإضافة إلى الوضع الأمني وشروطه، تنبري مشكلة أكثر تعقيداً قد تعيق تنظيم انتخابات مجالس المحافظات في تشرين الأوّل المقبل، تتمثّل بالخلاف المزمن على قانون الانتخاب بين الكتل والأحزاب العراقيّة. اختلافات تبدأ من تقسيم الدوائر الانتخابيّة وقواعد إجرائها (لائحة مغلقة أو مفتوحة وتجيير الشعارات الدينية في الحملات)، لتصل إلى شروط تنظيمها في المناطق «المتنازَع عليها» (وهي عبارة كُرّست في الدستور ولا تنحصر في كركوك بل تشمل مناطق محاذية للحدود السعوديّة).
وحتّى لو رُجّح إجراء الاستحقاق، يبقى الموعد بعيداً جدّاً. فالشهور في الحياة السياسيّة العراقيّة قد تحمل تطوّرات ميدانية وتغييرات في طبيعة التحالفات، ما تحتاج إليه قرون في دول أخرى.
لكن، في ما لو افترض المتابع توقّف الزمن على ما وصل إليه الوضع العراقي اليوم، يمكن الخروج بمجموعة من الإشارات قد تصلح لتبيان بعض خيوط الصورة التي قد تسفر عنها النتائج الانتخابيّة.
تحمل انتخابات مجالس المحافظات قيمة سياسيّة فائقة الأهميّة، لأنها ستكون ترجمة أوّليّة لرغبة المشرّع العراقي و«المجتمع الدولي» بتوسيع حيّز الفدراليّة (التي لم تُطبَّق حتّى الآن إلا في الإقليم الكردي الشمالي)، من ناحية زيادة صلاحيّات مجالس المحافظات الـ18 (بغداد وصلاح الدين وديالى وواسط وميسان والبصرة وذي قار والمثنى والقادسية وبابل وكربلاء والنجف والأنبار ونينوى ودهوك وأربيل وكركوك والسليمانية) التي يتكوّن منها التقسيم الإداري العراقي الحديث، على حساب السلطة المركزيّة.
أهمّية يعتقد البعض أنّها قد تنافس قيمة الانتخابات العامّة المقرَّر إجراؤها أواخر العام 2009.
لقد شهدت البلاد في الأشهر الأخيرة، تغييراً جذرياً في منحى التحالفات، بحيث لم يبقَ شيء على الحال التي أرستها الانتخابات التشريعيّة الأخيرة في 15 كانون الثاني 2005، وذلك في جميع البيوت الطائفيّة.
«البيت الشيعي» الذي اتّخذ اسماً جديداً بعد الانتخابات الأخيرة (الائتلاف العراقي الموحَّد) هو أكبر التكتّلات التي اختفى وجوده، رغم أنّ مكوّناته حصدت 128 مقعداً من أصل 275. فلم يبقَ من «الائتلافيّين» سوى جزء من حزب «الدعوة الإسلاميّة» (جناح نوري المالكي) والمجلس الأعلى الإسلامي. حتّى هذان الحزبان الوازنان شعبيّاً، أعلنا عن نيّتهما خوض الانتخابات المقبلة بلوائح مستقلّة.
إذاً، الساحة الشيعيّة ستشهد تركيبة تحالفيّة جديدة يكون فيها أحد أكبر فصائلها، أي التيّار الصدري، بعيداً من أيّ من الأحزاب الشيعيّة التي يرى أنّها «خذلته»، وغطّت على عمليّة إعدامه سياسيّاً (خروجه من الحكومة ومن الائتلاف العراقي) وعسكريّاً (حملات التصفية الفرسانيّة في البصرة ومدينة الصدر). بعض التقديرات ترجّح أن يشهد المسرح الانتخابي مواجهة بين الوكيل الإيراني في العراق، أي مجلس عبد العزيز الحكيم، وتحالف واسع من الأحزاب الشيعيّة الأخرى يتصدّرها التيار الصدري. غير أنّ سيناريو مختلفاً تماماً قد يظهر انطلاقاً من تطوّرات الأشهر الأخيرة، التي برزت مع تشكّل ملامح تحالفات «غير طائفيّة»، قد يكون أبرز تجلّياتها محاولة إياد علاوي جمع طائفة من الأحزاب والقوى من مختلف المشارب المذهبيّة والعقائديّة في تحالف واحد قد يعيد له مشروعيّة افتقدها ليعود رئيس حكومة جديدة.
سنيّاً، الوضع يبدو أكثر تعقيداً، بما أنّ الاستحقاق الانتخابي المقبل سيشهد مشاركة ضيف جديد هو «مجالس الصحوات» التي تسنّ أسنانها لقطف حصص الطائفة السنيّة العربيّة من أحزاب «جبهة التوافق العراقيّة». جبهة وصلت الانشقاقات داخلها إلى حدّ يهدّد بانفراط عقدها كليّاً، وهو ما يرجّح أيضاً أن يؤدّي إلى تحالفات مبنيّة على قاعدة جديدة.
صحيح أنّ التوقّعات تشير إلى بقاء الحزب الإسلامي أقوى التنظيمات السنية، غير أنّ من شأن مشاركة «الصحوات» في السباق الانتخابي تغيير الوضع، وخصوصاً أنها قد تحصد المرتبة الأولى في عقر دارها أي محافظة الأنبار، أكبر المحافظات ذات الغالبيّة السنيّة العربيّة مع 250 ألف نسمة.
يبقى أنّ طارئاً قد يدخل الحلبة، من باب «المقاومة»، إذ أعلنت أكبر الفصائل التي تقاتل الاحتلال أخيراً، عن استعدادها للدخول في تحالف سياسي مع قوى قوميّة ويساريّة يقوم على مناهضة القوات الأجنبيّة. وهنا تبقى الكلمة الفصل بيد الأمين العام لهيئة العلماء المسلمين حارث الضاري، الذي يذكّر الجميع بأنّه ترك الحرية بالمشاركة من عدمه في انتخابات عام 2005.