بول الأشقر

لم تتأخّر منظّمة الـ«فارك» أكثر من ساعات بعد الإعلان الحكومي، لتبلغ بدورها عن وفاة مؤسّسها وزعيمها مانويل مارولاندا. وأرسلت المنظّمة اليساريّة لهذا الغرض شريط فيديو لشبكة «تيلي سور» الفنزويلية ترثي فيه أحد أعضاء أمانتها، «الكومندانتي تيموتشينكو»، كما كان يُلَقَّب مارولاندا. ويؤكّد التسجيل تاريخ الوفاة، الذي حصل قبل شهرين نتيجة نوبة قلبية، ويعلن اختيار ألفونسو كانو وريثاً له «بالإجماع»، ويفصح عن أسماء أعضاء الأمانة الجدُد بعد الخسائر المتتالية التي مُنيت بها المنظّمة في الأشهر الأخيرة، وخصوصاً في آذار الماضي.
وتراوحت ردود الفعل الحكوميّة بين «الفرحة للتخلّص من أحد أسوأ المجرمين»، وبين تهديد خلفه بـ«إبادته إن لم يبتعد عن نهج مارولاندا ويطرق باب التفاوض غير المشروط».
وأثار إعلان الوفاة في مقابلة لمجلة «سيمانا» من قبل وزير الدفاع خوان مانويل سانتوس، الذي تلاه تأكيد النبأ ببيان رسمي لوزارة الدفاع بعد ساعات، توتّراً في صفوف مستشاري الرئيس الكولومبي ألفارو أوريبي، الذين رأوا في التفرد بإعلان الوفاة، محاولة من وزير الدفاع، وهو مهندس الحرب على الـ«فارك»، لتقديم أوراق اعتماده كمرشّح محتمَل لوراثة أوريبي.
يُذكر أنّ مؤيّدي الرئيس الكولومبي يجمعون حاليّاً ملايين التواقيع لفرض تعديل دستوري جديد يتيح للأخير الحقّ بالترشّح للمرة الثالثة لرئاسة الجمهورية بعد سنتين.
على الضفّة الأخرى، لم تصدر حتّى الآن تصريحات تقيّم «تيموشينكو» الذي تحدّى السلطة المركزية الكولومبية على امتداد نصف قرن. واكتفى وزير خارجية فنزويلا نيكولا مادورو بالقول إنّ مارولاندا «لم يحتج إلى فنزويلا لكي يصبح مارولاندا».
بدورها، رأت وزيرة خارجية الإكوادور ماريا إيزابيل سالفادور أنّه «لا يحقّ لأحد بأن يفرح بوفاة رجل آخر، على أمل أن تساهم وفاة مارولاندا بفتح أبواب السلام لكولومبيا التي تعاني». فقط رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا تكلّم عن «المقاتل العظيم ضدّ الإمبريالية» قبل أن يقدّم تعازيه لعائلته ومؤيّديه.
ومن بيروت، أشار وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير إلى أنّه «غير مسرور بموت الرجل إلا أنه لن يذرف الدموع على مارولاندا». ورأى أنّ الوفاة «قد تسهّل إطلاق الرهائن»، معرباً عن خشيته من أن «يهجم الجيش (الكولومبي) على معسكر الرهائن ما يعني قتلهم جميعاً».
وأتت تصريحات كوشنير قبل أن يطالب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بـ«تخفيف التصريحات في هذه المرحلة الدقيقة». وعبّر أقارب الرهينة الفرنسيّة لدى المنظّمة الثوريّة إنغريد بيتانكور والرهائن الآخرين عن أملهم أن «يسرّع» وصول ألفونسو كانو «السياسي بامتياز»، إلى منصبه الجديد، بتسريع «التبادل الإنساني»، وطالبوه بإصدار «موقف يلتزم فيه شخصياً» متابعة هذا المسار.
ومع وفاة مارولاندا الذي كان يؤمّن استمراريّة أسطورة الـ«فارك» وتماسكها، يُطرَح السؤال حاليّاً عن قدرة الزعيم الجديد كانو في أخذ القرارات الصعبة التي تدور جميعها حول شروط التفاوض مع بوغوتا. ومن المؤكَّد أنّ كانو الذي شارك في جميع المفاوضات السياسية منذ ثمانينيات القرن الماضي، يدرك أنّ النصر العسكري صار مستحيلاً، وأنّ الضغط العسكري والحرب النفسية اللذين تخوضهما الحكومة من دون هوادة ضدّ تنظيمه، أخذا يخلخلان معنويات أهم الكوادر وأعرقهم. على كلّ حال، هذا ما دلّت عليه بوضوح حادثة تسليم القائدة العسكرية الزنجية المعروفة باسم «كارينا» نفسها الأسبوع الماضي إلى القوات الكولومبيّة.
عامل الوقت يلعب بقوة ضدّ الـ«فارك»، والأوراق التي بحوزتها تتضاءل يوماً بعد يوم، ما يجعل ضرورة أخذ القرارات الصائبة أمراً غير قابل للتأجيل، وذلك في مرحلة تتميز بالتفوق الكاسح للجيش في حربه الاستخباريّة، وبعزلة شعبيّة خانقة يعاني منها الثوّار، وهو ما يجعل من المهمة الملقاة على أكتاف ألفونسو كأنّها شبه مستحيلة.