حيفا ــ فراس خطيب

الشعور المهيمن على الفلسطينيين في كل مكان، لا يترك حيّزاً للأمل. مشاهد الموت المتنقل بين أطفال غزة، تجعل من الحياة غضباً لا ينتهي. الغضب يزداد، حين يرافقه العجز عن فعل أي شيء.
«ترى الملوك والحكام صامتين على ما يجري، على موت الأطفال والنساء وحرق الجثث، وهذا يأس بحد ذاته»، يقول أحد كبار السن، من أهالي حيفا الأصليين، حين كان متكئاً على أحد أعمدة الكهرباء، بانتظار التظاهرة الاحتجاجية، التلقائية التي دعت اليها الحركات السياسية في المدينة في أعقاب المجزرة. الدعوة كانت عند السادسة والنصف مساءً. «منذ ساعة وأنا هنا، لم أحتمل الأخبار أكثر، هل الناس في غزة ذباب؟ هل هؤلاء الأطفال لا أهل لهم؟»
المسنّ يبدأ الحديث عن كل شيء من حيفا حتى بيروت «هل رأيت السفينة؟ هل رأيتها على شواطئ بيروت؟ هذا إعلان حرب علينا، على كل العرب». ويسترسل بغضب: «والله نحن أمة تستحق الموت، فليقتلونا أفضل من هذا الصمت».
المدن والقرى الفلسطينية في الداخل، عادت بالأمس إلى حرب لبنان الثانية، لكن من دون الخوف غير المفهوم من الصواريخ الآتية من الجنوب اللبناني. الغضب على أطفال قانا، هو الغضب نفسه على جباليا. ففي الحالتين، الأطفال والمدنيون يدفعون ثمن الغطرسة الإسرائيلية، أمام عجز الحكام العرب أو اختيارهم الصمت، لعدم فعل شيء. شاب لا يشارك في التظاهرات عادةً قال مستاءً: «أريد أن أفهم، ماذا ينتظر الأردن ومصر حتى يسحبا سفيريهما من هنا؟».
أكثر من سبعين شهيداً في ساعات معدودة، والعدد دالة تصاعدية مع كل دقيقة. مشاهد حرق وموت: خمسة أطفال يبكون صراخاً من وراء أم ترفع يديها للسماء في غرفة حطّمتها القذيفة. في الغرفة جثة محروقة، لم تكن مسلحة. المشافي في غزة تعلن أعداد الشهداء، لا أسماء للجرحى، ماكينة الموت تغطي على جرحى المعركة. طفلة عمرها لم يتجاوز اليومين، جراحها خطرة، تراوح بين الحياة والشهادة. لم تكن مسلحة، ولم تعلن مسؤوليتها عن التصعيد نحو عسقلان. ولدت من رحم أمها، تماماً كما أطفال العالم. لم تخرج من نفق، ولم تأتِ من بعيد على متن شاحنة «قسّام». لم تقصف سديروت، وهناك شهود، فحين قصفت تلك المدينة كانت جنيناً لا يحلم. هي صورة مصغرة عن طفولة في غزة، حيث يبدأ الأطفال حياتهم من النهاية.
الطفلة كانت صلب حديث امرأتين فلسطينيتين. قالت الأولى إنَّها لن تنسى مشهد الطفلة الصغيرة وهي على حمالة المستشفى. «منذ الصباح والدمعة لم تجفّ. شاهدت الأولاد هناك، شعرت كأنهم أولادي. أتخيل أبنائي في وضع كهذا. كنت أبكي بصمت. ما ذنبهم؟».
الشعارات المنطلقة من التظاهرة، حادّة إلى حد الغضب. صّب المتظاهرون غضبهم على الحكام العرب. وعلى الحكومة الإسرائيلية. السيارات تتوقف قليلاً عند الشارة الضوئية. شاب يهودي وصديقة له، يتوقفان عند التظاهرة ويشتمان العرب: «اذهبوا إلى غزة يا مخربين». ثلاثة شبّان ينقضون على السيارة، فيهرب الشاب بسرعة هستيرية. «كنت سأصبّ غضبي على وجه هذا الحقير لو توقف»، قال شاب عربي وهو يلهث. فيما قال الثاني «أنا لا أريد سلاماً، أتمنى حرباً شاملة في كل المنطقة. تعبت من الانتهاكات اليومية».
لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية في الداخل، دعت الحركات السياسية الى الشارع للتظاهر ضد جرائم قتل الأطفال. ونظّم التجمع الوطني الديموقراطي تظاهرات في الجليل والمثلث والنقب. كان من بين الشعارات «هتلر يريد محرقة في غزة».
الاحتجاج الفلسطيني، وإن كان لا يرتقي الى مستوى التحديات الجاثمة، مستمر. والغضب هذه المرة أكثر. غزة لا تفارق العناوين.