باريس ـ بسّام الطيّارة

لم يمرّ أسبوع على صدور القرار ١٨٠٣ المُتَعلِّق بتشديد العقوبات على إيران، حتى بدأت «مناورات استيعابية» لردود الفعل الإيرانية، في ضوء ما يثار من مقترحات فرنسية بشأن آليات التعامل مع النظام الإسلامي في المستقبل المنظور.
وفي سياق التبريرات، وجواباً عن تساؤلات عديدة بشأن جدوى هذا القرار، فسَّر مصدر فرنسي واسع الاطّلاع التقارير الاستخبارية التي صدرت عن الوكالات الأميركية، والتي بدا لوهلة أنها يمكن أن تعرقل صدور قرار جديد، بأنها لم تُشر إلى توقُّف برنامج تسلُّح إيران النووي، بل أفادت بأنه «منذ مطلع ٢٠٠٤، لم تعد هناك آثار لخطط عسكرة البرنامج النووي الإيراني». ورغم عدم وجود هذه الخطط، وعدم وجود أي براهين على المضيّ قدماً في برنامج نووي عسكري، فإن تبريرات المضيّ في «مسلسل العقوبات» تعود، بحسب المصادر الفرنسية، إلى «أن إيران لم تتقدَّم أي خطوة لتلاقي سلّة الحوافز». وتُفسّر المصادر حال الجمود هذه بـ«أن إيران تعتقد بأنها في موقع قوة»، وتعترف بأن المفاوض الإيراني لا يُقدّم أي اقتراحات بديلة ويبدو كأنه ينتظر عرضاً كاملاً ومتكاملاً يوافق طموحاته.
وقال مُقرّب من ملف المفاوضات بين الدول الست وإيران «إننا لا نضع على الطاولة كل أوراقنا دفعة واحدة»، ما يمكن اعتباره تلميحات لطهران بإمكان تحسين شروط الحوافز وطبيعتها.
وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» من مصادر فرنسية مُطّلعة وموثوقة بوجود نوع من التوتّر داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية بسبب مواقف بعض الخبراء من الوثائق الأخيرة التي قدّمتها إيران للوكالة، إذ يقول بعضهم إن هذه الوثائق تُشير إلى «خرق فاضح لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية»، لا خرق لاتفاق الضمانات الموقَّع بين الوكالة وإيران. وبالتالي، فإن هذا ليس من اختصاص فريق المدير العام لوكالة الطاقة محمد البرادعي. وتقول باريس في هذا الصدد، إن على وكالة الطاقة أن «تسهر على تطبيق الاتفاقات الفردية مع كل دولة «بهدف التأكد من عدم خرق اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية».
وتشير المصادر الفرنسية إلى أن مراقبة انتشار الأسلحة البالستية ليست من مهمّات وكالة الطاقة، بل من اختصاص مجلس الأمن، إلاَّ أن الخروقات في هذا المجال «هي مؤشّرات» لخرق اتفاق الضمانات مع إيران.
وترى باريس أن «عمل الوكالة كان حتى صدور القرار» الدولي يقضي بمسح شامل لنشاط إيران في الماضي للإجابة عن سؤال عما إذا كانت طهران قد خرقت أم لا اتفاقية حظر السلاح النووي، وأن طهران لم تعط إجابات وافية في هذا المجال، وأن العمل مستمر لجلاء حقيقة الوضع. وفي المقابل، فإن وكالة الطاقة ترى أن إيران لم تُجب عن أسئلتها في ما يتعلق بجانب «تسليح برنامجها النووي»، وأنها اكتفت بالقول إن الاتهامات الأميركية المصدر هي افتراءات مُفَبركة.
وتُصّر المصادر الفرنسية على أن وكالة الطاقة «لديها القناعة بأن إيران قد قامت بمحاولات عسكرة لبرنامجها النووي»، قائلة «إن المطلوب قبل كل شيء هو اعتراف إيراني بهذا المجهود السابق كما فعلت دول أخرى، وأن تفيد بتوقف هذا النشاط». إلَّا أن لباريس تساؤلات عما إذا كانت طهران «أوقفت فعلاً» نشاط عسكرة برنامجها النووي. ومن هنا اعتبار فرنسا تشديد العقوبات هو قبل كل شيء «إشارات سياسية»، مصرةً على أن العقوبات الأميركية، «أكثر من عقوبات مجلس الأمن»، بدأت تترك أثراً على الاقتصاد الإيراني، وخصوصاً في تردد المصارف الغربية تجاه الاستثمار في إيران لتحسين ظروف إنتاج النفط وتحويله. كما أسهم ذلك في تجفيف الشبكات المالية الإيرانية في الخارج، رغم أن ارتفاع أسعار النفط يُخفّف من الوطأة المباشرة للعقوبات.
ورغم نفي مصادر دبلوماسية «وجود مفاوضات اليوم»، إلا أنها تعتقد جزماً بأن طهران تنتظر «الإدارة الأميركية الجديدة»، لأن الإيرانيين يريدون «حلاً شاملاً ومترابطاً». ولا يتردد مصدر في القول إن «الاعتقاد السائد هو أن إيران تريد وضع الملف النووي في مقابل العراق، بينما سوريا تضع الملف العراقي في مقابل لبنان»، مشدداً على أن «مصلحة الغرب هي في الخروج من الشمولية» التي تسعى إليها طهران، والعمل على تحسين سلَّة الحوافز.
وكشف المصدر في هذا السياق عن أن إيران تطلب ما يمكن تسميته «ضمانات أمنية سلبية»، أي تعهُّد الولايات المتحدة بعدم شنّ هجوم نووي عليها، وتطالب روسيا بضم هذا التعهد كتحسين ممكن لسلّة الحوافز، وهو ما لا تمانعه باريس والدول الأوروبية، بحسب المصدر الفرنسي الذي يتحدث عن «إعادة حزم» (re-packaging) للحوافز بشكل يتضمّن ما «يبدو مطالب إيرانية جديدة».
وقد كشفت المصادر الفرنسية عن أن من بين الحوافز الجديدة إنشاء نوع من «منظمة أمن إقليمي» في الخليج، وأن وضعها على طاولة المفاوضات ينتظر «موافقة دول الخليج»، التي لا تُحبّذ ربط أمنها القومي بالنظام الإيراني. ولم تخف هذه المصادر أنه «إذا عادت مسيرة المفاوضات»، «فلن تكون مع باريس أو لندن أو برلين، بل ستكون بين واشنطن وطهران فقط».