بغداد ــ زيد الزبيدي


الحكومة العراقيّة باتت تنزعج من جميع الاعتراضات التي تواجهها سياستها. ووصلت درجة انزعاجها إلى حدّ سعيها إلى محاولة عرقلة مسيرات ذكرى أربعين الإمام الحسين بعد غد. مسيرات يعرفها الشارع الشيعي منذ قرون، تظلّلها أهازيج وردّيات لا تقتصر على المشاعر الدينيّة، بل تدخل فيها النقمة الاجتماعيّة والسياسية و... قانون النفط حتّى


في ذكرى مرور أربعين يوماً على إحياء ذكرى عاشوراء (وفاة الإمام الحسين في العاشر من محرم)، تستعدّ مدينة كربلاء لاستقبال ملايين الزوار الشيعة، في واحدة من أكثر المناسبات الدينيّة أهميّة بالنسبة إليهم. وتبقى «اللطميات» و«الردّيات» المرافقة للمناسبة، مليئة بالصيحات التي تعبّر عن الواقع البائس اجتماعياً وطبقيّاً وسياسيّاً الذي يعيشه أهل العراق.
وباعتبار مدينتي كربلاء والنجف من أهم المدن المقدسة لدى الشيعة، اللتين شهدتا انتفاضات شعبية كبيرة أنجبت الكثير من قيادات الحركة الوطنية والشيوعيّة في بلاد الرافدين، فلا بدّ للتنافس السياسي في مناسبات كهذه، أن يعبّر عن نفسه لاجتذاب الحشود.
وفي إطار استعداد كربلاء لإحياء أربعين الحسين، اتخذت العزاءات الحسينيّة على الدوام طابعاً سياسياً واجتماعياً، إذ كانت «اللطميّات» أو «الردّات» الحسينية لا تخلو من السياسة التحريضيّة، وتتميّز به على وجه الخصوص مواكب منطقة العباسيّة، التي أثارت الكثير من الجدل في العاشر من محرّم الماضي.
وفي السياق، يرى الكاتب محمد علي الشبيبي أنّ تجربة العبّاسيّة لناحية المواكب، ستتكرّر بعد غد، رغم محاولات السلطة عرقلتها. إذ سبق أن أزالت، بتوجيه من المحافظ، مركز تجمّع العزاء عند تقاطع شارع العبّاس وطوريج، بحجّة بناء مطعم مكانه. واعتاد أهالي هذه المدينة ممارسة طقوسهم السنوية واستذكار «موقعة الطف» (التي قُتل فيها الحسين) في حيّ التكيّة منذ خمسينيات القرن الماضي، ولم يجرؤ حتى نظام صدام حسين على إزالتها.
ورأى الشبيبي أنّ الهدف من إزالة «التكية» يتجلّى في محاربة الموكب وتضييق تحرّكه، بتشجيع قوى دينية مختلفة تغيظها تظاهرة موكب العباسية بأهازيجه السياسية. وأوضح أنّ «المشرفين على الموكب اعتادوا منذ تأسيسه التعامل مع هذا الأسلوب بفضل جهود شخصيات قيادية في الموكب».
ولمّا أصبح الموكب حقيقة مؤثّرة على تكوين الرأي السياسي لدى ملايين الشباب والشابّات، اضطرّ محافظ كربلاء إلى لقاء قادة المواكب والتكيّات للاتفاق على طبيعة الأهازيج الحسينيّة، موجّهاً كلامه بصورة خاصة إلى قادة موكب عزاء العباسية، راجياً منهم «ألّا تنتقد أهازيجهم سياسة الدولة أو المحافظة بصورة قاسية». وقدّم للمواكب مساعدة مالية، هي عبارة عن هدية من رئيس الوزراء نوري المالكي. إلّا أنّ موكب العبّاسيّة رفض تسلم الهدية المالية، مشيراً إلى أن الأهازيج الحسينية وطبيعتها السياسية هي ما يميّزها عن بقية المواكب في كربلاء. إذاً، يمكن اعتبار أهازيج الموكب بمثابة الصحيفة اليوميّة الصادقة التي تنتظرها الجماهير الكربلائية بفارغ الصبر.
ورأى الشبيبي أنّ «البعض خلال ذكرى الحسين، ومن خلال تكريس صورة اللطم على الصدور والعويل، لا يعملون على توعية المشاركين وكشف أسباب تدهور أوضاعهم المعيشية والفساد الإداري المستشري»، مؤكّداً أنّهم يتغاضون عن إهمال مدينة «سيّد الشهداء» (كربلاء) وافتقارها للإعمار.
ولعلّ أهم ما يميّز موكب العباسية، هو التنظيم الجيّد، الذي يتجلّى على شكل «جوقات»، وكل «جوقة» لها أهزوجتها التي تتجاوب مع أهازيج المجاميع القريبة منها. وألّف المشرفون على الموكب لجنة من الشعراء الشعبيّين المتخصّصين في الأهازيج الحسينية والسياسية، التي تلتقي يوميّاً وتتناقش لاختيار الأنسب من الأهازيج، القادرة على الاستجابة لهموم المواطن والشارع العراقي، وإيجاد اللحن المناسب لها.
على سبيل المثال، تتناول أهازيج الموكب بجرأة جميع المشاكل التي يواجهها العراقيون، متسائلة عن سبب إهمال المسؤولين الإصغاء إلى مشاكل الشعب، إضافة إلى كيفيّة انعكاس مردودات النفط وارتفاع أسعاره، التي غالباً ما يحرم الشعب من عائداتها، فيزداد فقراً:
«خير بلادنا بس للحراميّه لنهب الشعب عقدوها للنيّه كل شي ما حصل منهم خير وصار بس الهم، ما يموت الشعب وحسين أبد ما يموت».
وتذهب أهزوجة أخرى منحىً مباشراً أكثر فتقول: «برميل النفط علّك على التسعين، الشعب يبني بحجر وبطين، علينا انعكست الحاله، شعبنا نصّه بطّاله، ما يموت الشعب وحسين أبد ما يموت. ثروات النفط ما ندري وين تروح، كافي تنهبوها... والشعب مذبوح، مجموعة حراميّه تبوك الناس يوميه...».
أهزوجة أخرى تدخل في تفاصيل قانون النفط المطروح الذي لم يُقرّ بعد: «قانون النفط المطروح، طبخه ومنه الريحه تفوح، ثروتنه وليش يبوكوهه، منهم نتأمل يحموهه، ما عدنا غيرك يحسين».
كذلك لا تغيب أزمة الكهرباء عن لطميّات الزوّار: «يا وزير الكهرباء بيّن ما عندك وفاء، تدري بلّي وعد يوفي...».