أمام ضراوة المعارك الدائرة لليوم السادس على التوالي بين الجيش التركي والمقاتلين الأكراد، بدأت المعلومات تنحسر عن تفاصيل القتال الدائر، بينما هيمنت الدعاية التركيّة الرسميّة التي تروّج لرواية ورديّة تقول إنّ عدد القتلى الأكراد وصل إلى 153، بينما لم تعترف أنقرة سوى بمقتل جنديَّين إضافيَّين، لتصل الحصيلة الرسميّة إلى 17 جندياً تركياً.

ضراوة المعارك عبّرت عنها مؤشّرات عديدة:
ــــ اعتراف القيادة العسكرية التركيّة بأنها أجرت عمليّة استبدال لجزء كبير من فرقها المقاتلة، التي وصلت إلى عمق 25 كيلومتراً داخل الأراضي العراقيّة، نظراً إلى قساوة الاشتباكات.
ــــ تأجيل الرئيس عبد الله غول زيارته الأفريقيّّة التي كان مقرّراً أن تبدأ اليوم. فبدل أن يتوجّه إلى تنزانيا والكونغو وجمهورية الكونغو الديموقراطيّة، فضّل القيام بجولة ميدانيّة على مواقع قيادة الحملة البريّة، لعلّه يحمل شيئاً من المعنويّات إلى الجنود الذين ودّعوا 17 من زملائهم القتلى في أنقرة وإسطنبول، وسط أجواء توتّر فرضتها التهديدات الكرديّة بنقل المعركة مع الأتراك إلى داخل المدن التركيّة الآمنة.
وفي وقت لاحق من يوم أمس، شارك غول ورئيس وزرائه رجب طيب أردوغان وعدد من الوزراء وكبار ضبّاط الجيش في جنازة جماعيّة في أنقرة لعدد من الجنود القتلى.
ومن الجانب التركي أيضاً، أبدت الحكومة ارتياحها لنجاح الحملة حتّى الآن، وذلك بعدما عقدت اجتماعاً، أعرب بعده نائب رئيسها كميل جيجيك عن «فخر الحكومة بالقوّات المسلّحة»، من دون أن ينسى التأكيد أنّ الحملة ستتوقّف فور القضاء على الخطر «الإرهابي»، في ردّ مبطّن على التسريبات الإعلاميّة التي رجّحت أن تطول الرحلة التركيّة في شمال العراق، ما قد يعرّضها لحملة مقاومة شاملة يشارك فيها أكراد هذا البلد.
أمّا التطوّر الأبرز، فجاء على لسان مستشار الأمن الوطني العراقي موفق الربيعي، حين كشف عن خشية بلاده من أن يؤدّي طول أمد التوغّل التركي إلى «مصادمات بين القوات التركية وقوات البشمركة» الكردية. ورأى أنه ينبغي تفادي ذلك «بأي ثمن»، مضيفاً أنّ مثل هذه المصادمات «حتى ولو عن طريق الخطأ، ستكون لها عواقب خطيرة للغاية على أمن المنطقة الآمنة الوحيدة في العراق».
وعطفاً على هذه الخشية، نقلت «وكالة الصحافة العراقيّة»، عن مصادر عسكرية تركية أمس، قولها، إنّه عُثر على هويّات قوّات من البشمركة والحزب الديموقراطي الكردستاني (الذي يتزعّمه رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني) في ملابس عدد من القتلى في صفوف «حزب العمّال».
أميركيّاً، استمرّ الدعم الأميركي للعمليّة التركيّة، وإن بحماسة أقلّ من تلك التي عبّرت عنها وزيرة الخارجيّة كوندوليزا رايس قبل أيّام، عندما دعمت حقّ أنقرة «في الدفاع عن نفسها». وجدّدت المتحدثة باسم البيت الأبيض دانا بيرينو الإعراب عن أمل بلادها في أن تكون العملية العسكرية «قصيرة الأمد»، وأن تقتصر على استهداف الانفصاليّين الأكراد الأتراك ولا تضرّ بالمدنيّين. وذكّرت بأنّ الرئيس جورج بوش «كثيراً ما دعا تركيا إلى التحلّي بضبط النفس» في هذه العمليات، موضحة أنّ «ذلك لم يتغيّر». لكنّ بيرينو لم تذهب أبعد من ذلك، فلم تنسَ أن تؤكّد تفهّم واشنطن لـ«حرص تركيا على حماية مواطنيها».
(الأخبار، أ ب، أ ف ب، رويترز)