إيلي شلهوب


غيوم الحرب لا تفارق المنطقة منذ عدوان تموز. مخاوف من اقتتال داخلي في لبنان، لا تبدّدها تأكيدات الأطراف المعنية في شأن رفضها للفتنة. توقعات باجتياح وشيك لقطاع غزة، ينتظر تبلور استراتيجية خروج إسرائيلية. واستعدادات لعدوان إسرائيلي جديد لاستعادة الردع وإعادة الهيبة، ينتظر تبريراته الميدانية...
الآفاق تبدو مسدودة في الساحات الثلاث. الحل اللبناني ينتظر تسوية إقليمية. والأزمة الفلسطينية بين مفاوضات بلا جدوى وحصار يهدد بانفجار قد يطال الضفة. وصراع المحاور يترقب اختبار قوة جديداً، يعيد تحديد التوازنات في المنطقة.
أطراف الصراع واضحة، وتنقسم إلى محورين: الأول «معتدل»، بقيادة عالمية تمثلها الولايات المتحدة (وحليفتها إسرائيل)، وإقليمية تتركّز في السعودية ومصر، ومعهما الأردن والسلطة الفلسطينية (مع تحفظاتهما) و«الأكثرية» اللبنانية. أمّا الثاني فـ«متشدد»، أو«ممانع» حسبما يرتئي البعض تسميته، تمثله إيران وسوريا و«حزب الله» و«حماس».
الأول يستهدف تسوية إقليمية بالحد الأدنى: تضمن من خلالها واشنطن نفوذها في المنطقة (ومعها آبار النفط)، بأقل قدر ممكن من الالتزام العسكري (وخاصة في العراق). وتل أبيب «دولة يهودية» بلا لاجئين، عاصمتها القدس، وتمتد على أكبر مساحة ممكنة من فلسطين التاريخية. كما تضمن من خلالها الرياض (والخليج) أمنها ومصالحها في مواجهة طهران، والقاهرة نفوذها ونظامها، و«الأكثرية» نقل لبنان إلى الضفة الأخرى من الصراع.
أمّا الأردن، فيسعى إلى ألّا تكون التسوية على حسابه (ما جعله ينفتح على سوريا بعد سنوات من الجفاء)، والسلطة إلى أن تُحصّل الحد الأقصى المقبول أميركياً وإسرائيلياً من الحقوق الفلسطينية.
في المقابل، يسعى المحور الثاني إلى تسوية إقليمية بالحد الأقصى (أخذاً بالاعتبار الطبيعة البراغماتية للأطراف المعنية لا الإيديولوجية): إيران تريد اعترافاً بها قوة إقليمية كبرى، يضمن مصالحها المباشرة في العراق وأفغانستان وبحر قزوين، وغير المباشرة في الخليج والترتيبات الأمنية في المنطقة. سوريا تريد استعادة الجولان كاملاً، وتأمين استمرارية نظامها وضمان خاصرتها اللبنانية. «حماس» تريد تسوية مرحلية، تحت عنوان «هدنة طويلة الأمد» وحدود عام 1967، تضمن لها فترة من الهدوء وبناء القوة بانتظار جولة أخرى من المواجهة، تقررها «الأجيال المقبلة»، لاستعادة فلسطين التاريخية. «حزب الله» يريد استعادة الأرض والأسرى وضمان بقاء لبنان جزءاً من «جبهة الممانعة».
محاولتان جرتا لكسر هذا المحور: واحدة عسكرية في تموز من عام 2006، أدت إلى نتائج عكسية. وثانية سياسية تمثلت في محاولة استدراج سوريا إلى محور «الاعتدال». الأولى أُحبطت بفعل بسالة مقاومي حزب الله ودعم سوريا وإيران. والثانية فشلت بفعل الفهم المنقوض لنظام الرئيس بشار الأسد، الذي يحتاج إلى إنجاز، يعطيه بعض ما كان لوالده من مشروعية، وخاصة بعد الانسحاب «المذل» من لبنان. إنجاز يتمثل باستعادة كاملة للجولان عبر التفاوض، أو بخوض غمار مواجهة عسكرية مع إسرائيل، يخرج منها نظامه حياً بالحد الأدنى.
جميع الأطراف المعنية تبدو مستعدة لاختبار قوة جديد محدود الساحة والنتائج: إسرائيل أنهت عملية «استخلاص العبر»، وما غارة دير الزور واغتيال الشهيد عماد مغنية إلا مؤشر. كذلك حال حزب الله، بحسب تأكيدات أمينه العام حسن نصر الله، و«حماس» بحسب التقارير الإعلامية والاستخبارية العبرية.
اختبار ينتظر الظرف المناسب. محدوديته تمليها واقعة عجز الولايات المتحدة عن خوض غمار حرب كبرى جديدة، لاعتبارات عسكرية وانتخابية داخلية.... إلا إذا كان هناك بين صقور واشنطن من يرغب بتوريط السيد المقبل للبيت الأبيض.