لا يعدو الخلاف الحاصل بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي، باراك أوباما ــ على الرغم من التهويل الإعلامي الذي رافقه ــ كونه مجرد ثقب لم ولن يخترق طبقة سميكة جداً تغلّف وتحمي انسجاماً وتكاملاً، يعتريان علاقة لا يمكن لظرف طارئ ولرجلين وضع حدّ لها.

العلاقات الأميركية ــ الإسرائيلية، وإن شرحها الكاتبان ستيفن والت وجون ميرشايمر في كتابهما «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية»، عام 2007، على أنها تمثّل عبئاً على الولايات المتحدة، في محاولة لإقناع الداخل قبل الخارج بهذا الشأن، عادت بعدها لتتصدر الأبحاث الصادرة عن معاهد الدراسات الأميركية، التي عملت على تأكيد أن إسرائيل تمثّل رصيداً استراتيجياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

وما المقال الذي نشره الباحثان روبرت بلاكويل ووالتر سلوكومب (عملا سابقاً في الشأن السياسي)، عام 2011، سوى نموذج عن هذه الأبحاث. ردّاً على «الذين يرون أنّ علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل شارع ذو اتجاه واحد، حيث تحمي أميركا إسرائيل دبلوماسياً وتوفر لها وسائل الدفاع عن نفسها عسكرياً، فيما لا تساهم الأخيرة إلا بالقليل للمصالح القومية الأميركية»، ارتأى الباحثان إعداد تقرير في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» (نشره آنذاك أيضاً «مجلس العلاقات الخارجية») بعنوان « إسرائيل: ثروة استراتيجية للولايات المتحدة»، حاولا فيه إقناع العالم بأن أسس العلاقة الأميركية ــ الإسرائيلية ليست متمحورة فقط حول ما يسميانه، كغيرهما، «القيم المشتركة أي الديموقراطية والمسؤولية الأخلاقية التي تتحملها أميركا لحماية دولة الشعب اليهودي الصغيرة»، ولا حول «الإجماع الواسع من جانب القادة السياسيين للحزبين الجمهوري والديموقراطي بأنها غير قابلة للانفصال»، بل أيضاً في جانب آخر هي ثابتة على مبدأ أن «لدى الولايات المتحدة وإسرائيل قائمة طويلة من المصالح الوطنية المشتركة، وأن الأعمال الإسرائيلية تقدم مساهمات مباشرة كبيرة لهذه المصالح الأميركية».

بينما تحجم واشنطن عن دعم نتنياهو التقى مسؤولوها خصمه الرئيسي إسحاق هرتزوغ

أكمل الباحثان مايكل آيزنشتات وديفيد بولوك فكرة زميليهما، عام 2012، فأكدا في سياق بحث نشره المعهد ذاته أن إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة «تمثل حصناً ضد التطرف الإسلامي في بلدان المشرق العربي... كما أنها حليف هادئ للأردن لكنه فعالاً». علاوة على ذلك «يبيّن السجل التاريخي أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، في العقود الأخيرة، لم يؤثر في جوهر العلاقة بين أميركا وحلفائها العرب أو المسلمين أو غيرهم»، إضافة إلى أن «العديد من الدول العربية يحافظ على علاقات استخبارية مع إسرائيل، بل تنخرط في جهود من وراء الكواليس لحث إسرائيل على العمل كوسيط مع واشنطن».
بمعزل عمّا سبق وعن التعمّق في تاريخ «التلاحم» وكمية المساعدات الأميركية لإسرائيل وعدد الفيتوات التي استخدمتها واشنطن لمصلحة تل أبيب في الأمم المتحدة، تبقى إسرائيل (وفق والت وميرشايمر) «ولاية» يعمل اللوبي الإسرائيلي جهده على أن تكون الـ51 الأميركية. والوقائع كما التاريخ، تؤدي دورها كأكبر برهان على أهمية هذه بالنسبة إلى تلك، والعكس صحيح.
في الفترة الأخيرة وبموازاة اللغة الرئاسية الأميركية المنسجمة مع الاستراتيجية المتبعة في إطار المفاوضات مع إيران، سعى باراك أوباما إلى وضع حدّ لـ«تدخل» بنيامين نتنياهو في الشأن الأميركي، ولكن التعاضد الأميركي ــ الإسرائيلي عمل على خط آخر، يمكن أن تعبّر عنه المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، برناديب ميهان، في مقال نشر على مدوّنة تابعة لموقع البيت الأبيض على الإنترنت، في الأول من الشهر الحالي (أي قبل يومين على خطاب نتنياهو أمام الكونغرس)، عكفت فيه على تأكيد وتفنيد الالتزام الأميركي اتجاه إسرائيل في عهد باراك أوباما. تحت قيادته «نما الالتزام الأميركي بإسرائيل وتعزّز لدرجة غير مسبوقة» ومن اللقاءات المتكررة مع القادة الإسرائيليين لـ«ضمان بقاء إسرائيل أكبر متلق للمساعدات الأميركية الخارجية، كان الرئيس ملتزماً بشدة مساعدة إسرائيل على الحفاظ على قوتها وأمنها»، تقول ميهان.
يومها، عدّدت ميهان خمس نقاط عمل عليها أوباما في سياق العلاقة «المتينة» مع إسرائيل ــ وهي نقاط طالما اهتمت بها الإدارة الأميركية:
1. مدافع قوي: وهنا تشرح ميهان أن «أوباما عزّز الدفاع الإسرائيلي بطرق ملموسة وغير مسبوقة»
2. حليف دولي: ففي عهد أوباما، «بذلت الولايات المتحدة جهودا عالمية للدفاع عن شرعية إسرائيل على الساحة الدولية. وفي العام الماضي، عارضت 18 قراراً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت معدة ضد إسرائيل».
3. من دعاة السلام: «لقد أيّد أوباما إسرائيل بقوة، في سعيها لتحقيق السلام مع جيرانها»، تشرح ميهان.
4. شريك اقتصادي: في عهد أوباما، «كانت لدى الولايات المتحدة علاقات تجارية قويّة ومتينة مع إسرائيل»
5. داعم لنظام الللاجئين والمهاجرين: في عهده «استتثمرت الولايات المتحدة الملايين في مساعدة المهاجرين الإسرائيليين».
ولكن في مقابل ذلك، يبدو أن التعاضد الأميركي ــ الإسرائيلي قد حلّ على جبهة أخرى أيضاً، شرحها التقرير الذي نشره آيرون ديفيد ميلر في مجلة «فورين بوليسي»، قبل حوالى شهر، وتحدث فيه عن سعي باراك أوباما إلى تغيير النظام في إسرائيل. فبرغم أن الإدارة الأميركية طالما أكدت أنها لن تتدخل في السياسات الإسرائيلية أو الانتخابات، إلا أنها «وجدت نفسها مضطرة لذلك رداً على تدخل إسرائيل الصارخ في السياسات الأميركية». وفق ميلر، فقد أعطى بنيامين نتنياهو الفرصة للإدارة الأميركية للنيل منه والترويج لـ: «إنه لم يعد مفيداً للعلاقات الإسرائيلية ــ الأميركية».
بناء عليه، بدا لافتاً بالنسبة إلى الكاتب أنه بينما تحجم واشنطن عن دعم نتنياهو، فإن مسؤوليها التقوا خصمه الرئيسي، إسحاق هرتزوغ، وهو رئيس «حزب العمل». وقد عقد، أخيراً، لقاء بين كل من نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، ووزير الخارجية، جون كيري، مع هرتزوغ، على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ، ليعزّز ذلك الشكوك لدى الناخبين الإسرائيليين في عدم قدرة نتنياهو على التعاطي مع أقرب حليف لإسرائيل. لذا «انتهز هرتزوغ الفرصة وشدد على أن أمن إسرائيل يظلّ رهينة الثقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يتطلب أن يكون كبار قادة البلدين على وفاق تام».





مثال على التوترات بين إسرائيل وأميركا... تاريخياً

نشر جيل توري تقريراً على موقع «ديلي بيست»، يشرح فيه أن التوترات بين إسرائيل والولايات المتحدة ليست جديدة «رغم صداقتهما الثابتة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن «العداوة المتزايدة» بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو، تخطت النمط المعتاد.
ولفت توري إلى أن معظم الرؤساء الأميركيين، عند انتهاء ولايتهم، يكونون أكثر قرباً من إسرائيل. ومثال على ذلك، «عندما ترك رونالد ريغان مكتبه (في البيت الأبيض)، معظم من أشاد فيه قال إنه كان من أقرب أصدقاء إسرائيل، ولكن في عهده أثارت صفقة بيع طائرات «أواكس» المتطورة إلى السعودية، جهوداً مضنية وضغوطاً شديدة من مجموعات مؤيدة لإسرائيل، أرعبتها الصفقة». وأشار توري إلى أن «جمعية آيباك خسرت أمام ريغان، فيما حصلت السعودية على طائراتها. كذلك، تخلّلت العلاقة بين ريغان وإسرائيل توترات أخرى عندما قامت إسرائيل بضرب مفاعل تموز النووي في العراق وعندما اجتاحت لبنان، بعدها بعام واحد».
(الأخبار)