حسام كنفاني


من المفترض التسليم بأن عملية اختراق محور معبر رفح، التي توضع في حساب حركة «حماس» لقدرتها على كسر حصار، ما كانت لتتم من دون قبول مصري، تريد من خلاله القاهرة إيصال مجموعة من الرسائل إلى الداخل والخارج.
كان في إمكان القاهرة قمع عملية الاقتحام وطرد الفلسطينيين الذين اجتاحوا المعبر في دقائق معدودة، وما كان نظام الرئيس حسني مبارك ليجد حرجاً في عملية كهذه، ولا سيما أن الأمن المصري سبق له القيام بحركات قمع مماثلة تحت مسمّى حماية السيادة المصرية.
غير أن القيادة المصرية، وبنوع من التواطؤ مع حركة «حماس»، غضت الطرف لفترة وجيزة عن عملية الاختراق، الذي نجحت القاهرة في استغلالها لتحقيق مجموعة من الأغراض السياسية والشعبية الاستراتيجية، التي تسعى من خلالها إلى إعادة الاعتبار لمجموعة من العناصر في السياسة المصرية.
الرسالة الأولى للتغاضي المصري قد تكون موجهة إلى الداخل الشعبي الناقم على حصار قطاع غزة، والناقم على ما يمكن اعتباره مساهمة القاهرة عبر إغلاق معبر رفح في التغطية على هذا الحصار. وبعملية فتح الحدود وإدخال الفلسطينيين إلى رفح المصرية والعريش، تحصّن مبارك بموقف شعبي داعم لسياسته في هذا الإطار، واحتواء تظاهرات الغضب التي عمّت شوارع القاهرة في الأيام القليلة التالية للحصار.
وفي السياق، لا يمكن إغفال مطالبة القاهرة الدائمة بتعديل اتفاق كامب ديفيد لجهة نشر المزيد من قوات الجيش على الحدود مع قطاع غزة، وهو ما كانت ترفعه القاهرة حجة دائمة لعدم قدرتها على ضبط حركة تهريب الأسلحة والأموال عبر الأنفاق. مثل هذا المطلب كان ولا يزال يواجه برفض إسرائيلي، لا بد أن يلين في أعقاب عملية الاقتحام الأخيرة.
ومن الممكن الإشارة إلى أن القاهرة استخدمت حركة «حماس» لإمرار رسالة عدم قدرتها على ضبط الحدود في ظل الظروف الحالية، وتعديل اتفاقية كامب ديفيد والسماح بانتشار المزيد من الجنود المصريين في سيناء، وهو ما سيكون مطروحاً بجدية على طاولة أي حوار مصرية إسرائيلية مقبلة.
الرسالة الثالثة والأهم موجهة إلى الولايات المتحدة، التي همّشت في الفترة الماضية الدور المصري في القضية الفلسطينية، مركّزة على الدور السعودي، وهو ما تجلى في «زيارة رفع العتب» التي قام بها الرئيس الأميركي جورج بوش إلى شرم الشيخ في ختام جولته الشرق أوسطية.
«رسالة رفح» إلى واشنطن جاءت لتقول إن القاهرة طرف أساس ولا غنى عنه في القضية الفلسطينية، ولا سيما أن الامتداد الجغرافي يمنح مصر قدرة على ضبط الأمور أو فلتانها، وبالتالي فإن التعاطي معها لا بد أن يكون بعيداً عن زاوية التلويح بسيف قطع المعونة الأميركية أو تهميش الدور المصري التاريخي في فلسطين.
رسائل واضحة قد تتجلّى الردود عليها في الأيام المقبلة، إيجاباً أو سلباً.