strong> حسن شقراني


لماذا تكره الولايات المتّحدة؟ السؤال يفترض تلقائياً أنّك تكرهها، إلّا أنّه يحثّك على تشغيل مخيّلتك لتبرير ذلك، إذا كنت بالفعل أهلاً لتكون عضواً في حركة «ناشي» (ترجمتها: لنا) الروسيّة المتشدّدة في «ولائها الشبابي» للكرملن.
العصبويّة المقرونة بشعور قومي متزايد (بدأت منذ بداية الألفيّة الثالثة مع تسلمّ الرئيس فلاديمير بوتين مقاليد الحكم) عامل نتاجي ومحفّز في الوقت نفسه في روسيا، التي تفترض هيكليّتها الاجتماعيّة والسياسيّة أنّ التفاف الجميع حول القيادة الحكيمة، هو «فعل الخير» المناهض لما يروّج له الانقلابيّون، تحت عناوين المنظّمات غير الحكوميّة والبولشفيك المتشدّدين والشيوعيّين والليبراليّين.
ليس في مدار النقاش، مستوى الإنجازات التي حقّقتها إدارة بوتين خلال السنوات الثماني الماضية، إن على صعيد الاقتصاد أو على صعيد السياسة الخارجيّة (وهو ما أصبح معروف بحالة: إعادة بسط النفوذ، من خلال أو لـ«إعادة الكرامة الوطنيّة»). وبالتالي، فإنّ مبايعة الحكم على أسس موضوعيّة، لا الاستلاب الدكتاتوري الفارض، منطقية. إلّا أنّ النظام يجترح ذلك التأييد (المنطقي مجدداً) من خلال أساليب الدولة المركزيّة، لتوكيده في كلّ لحظة، وفي كلّ شارع، ولدى جميع الطبقات الاجتماعيّة.
الأساليب تختلف: زيادة التقديمات الاجتماعيّة والرواتب (التي يحدّدها نظام معقّد: «الرأسماليّة الموجّهة») لدى أرباب العائلات المتوسّطة الدخل، وفي حالة العجزة تحسين الظروف المعيشيّة، عبر التعويضات.
ونمط معالجة «كيفيّة خلق وتطوير الولاء» يتمدّد ليشمل المعايير الدينيّة. وهنا تبرز جهود الدولة الأرثوذكسيّة لاحتواء الإسلام (الدين الثاني في البلاد) من خلال حريّة التعبير وممارسة الطقوس بحرفيّة.
غير أنّ الموضوع يصبح أكثر جديّة وتعقيداً في معالجة العمق الاستراتيجي للولاء: عامل الشباب. وهنا يأتي دور «ناشي». فهذه المنظّمة، التي لم تترك أيّ مناسبة من الاحتجاجات على نقل تمثال للينين في تالين، وحتى تعبئة الشارع وملئه لتأكيد التأييد للكرملين في كلّ استحقاق سياسي، تقوم بدورها بالكامل. واستراتيجيّتها تتماشى مع التغيير.
الانتخابات الرئاسيّة الروسيّة، التي أصبح الفوز فيها شبه محسوم لمصلحة مرشّح الكرملين، ديميتري ميدفيديف، ستجري في الثاني من آذار المقبل. ومنافسو «الرابح!» تقلّصوا ليصبحوا ثلاثة فقط: زعيم «الحزب الشيوعي»، غينادي زيوغانوف، الذي أعرب في الفترة الأخيرة عن نيات غير مكتملة للانسحاب. القومي المتشدّد الموالي للكرملين، فلاديمير زيرونوفسكي. إضافة إلى المرشّح المستقلّ، المغامر، أندريه بوغدانوف. وهؤلاء رسوا على «قائمة القبول» بعدما رفضت لجنة الانتخابات ترشيح رئيس الوزراء السابق (بين عامي 2000 و2004)، ميخائيل كاسيانوف، لكون عشرات الآلاف من الإمضاءات الشعبيّة المطلوبة لكي يصبح ترشيحه قائماً، هي «مزوّرة».
تماشياً مع التطوّرات، أُعلن في موسكو أوّل من أمس، أنّ الحركة القوميّة، «ناشي»، ستخضع لإعادة هيكلة، حيث لن تكمل بعملها كمنظّمة فدراليّة مركزيّة، غير أنّها ستحافظ على 5 مكاتب من أصل 50 منتشرة عبر روسيا، وسيعتري عملها تحوّلاً نوعياً، لأنّه «لم يعد هناك خطر ثورة برتقاليّة»، حسبما برّر قائد الحركة، نيكيتا بوروفيكوف، في مقارنة مع الثورة البرتقاليّة المناهضة لروسيا التي شهدتها أوكرانيا بين تشرين الثاني 2004 وكانون الأوّل 2005.
يمكن إدراج التطوّرات الطارئة على الحركة في سياق يتضمّن مسارين: الأوّل هو أنّ الرئيس بوتين لم يعد يرى مجدياً استمرار عناصر الحركة في إطلاق الصيحات القوميّة والتحريض على الغرب، بعدما وصلت الأمور إلى ذروتها خلال العام الماضي، وقرار الاتحاد الأوروبي عدم إعطاء تأشيرات دخول «تشينغن» إلى أعضاء المنظّمة، أوضح جلياً مدى التوتّر الذي ولّدته النشاطات المناهضة لـ«أوروبا الأميركيّة».
المسار الثاني يقضي بأنّ الدواعي الانتخابيّة الداخليّة، التي أنشئت من أجلها «ناشي»، قد انتفت، وأصبحت المسائل محسومة الآن من حيث التعبئة. فوصول ميدفيديف، الصديق للغرب، إلى الكرملين أصبح حتمياً (وخلافة بوتين له في عام 2012 أيضاً) والأخطار التي يمكن أن يمثّلها المناهضون انحسرت جذرياً. وفي هذ الصدد، تقول قائدة الكتيبة الشبابيّة في حزب «يابولكو» الليبرالي، إليا ياشين، إنّ الإجراءات المتّخذة في هيكلة المنظّمة ليست أبديّة، بل هي عبارة عن تجميد من أجل «الاستعمال اللاحق».
الكرملين، ومن خلال المحافظة على هذا السلاح الفعّال الممكن تلقيمه في كلّ لحظة، يرى أنّ السلطات لا يمكنها، بكلّ بساطة، أن تترك الشباب الروسي المفعم بـ«حيويّة التأييد» من دون إشراف وتوجيه. وهذا هو المفتاح. إلّا أنّ مخاطره البعيدة المدى وخيمة: مبدأ «روسيا لنا» قد يعيد عزل البلاد من جديد، ليس فقط عن «الغرب المتوحّش» بل عن كلّ من يرغب في استشفاف إنجازاتها... ليت إبقاء الحركة القوميّة ممكن في إطار «الدواعي الانتخابيّة».