أرنست خوري


باتت تفاصيل عمليّة القبض على 35 من مجموعة ERGENEKON، برسم الرأي العام التركي والعالمي، بعدما نشرت صحيفة «يني شفق»، جزءاً كبيراً من محاضر الاستجواب الذي حصل مع المتّهمين «الكبار» من المجموعة، إضافةً إلى وصف الدقائق الأولى لاعتقال زعيم الميليشيا المذكورة، الجنرال المتقاعد والي كوشوك، الذي ارتبط اسمه ومجموعته بسلسلة من الجرائم والتخطيط لعدد كبير من التصفيات، كلّها تحت شعار «إنقاذ تركيا من أعداء الداخل»، وتمهيد الأرضيّة لعمليّة انقلاب عسكري شامل تطيح حكومة رجب طيّب أردوغان عام 2009.
وللتذكير، فإنّ هذه المنظّمة العسكريّة التي شكّلت، تحت غطاء المؤسّسة العسكريّة، الذراع القوية للقوميّين المتعصّبين في البلاد، نشأت منذ أوائل أيام الانقسام العالمي بين معسكري «حلف وارسو» الاشتراكي، و«حلف شمال الأطلسي» بزعامة واشنطن. وكان الهدف من تأسيسها، القضاء على المدّ الشيوعي الذي لامس حدود تركيا الأوروبية والآسيويّة. وبعد انهيار المنظومة الشيوعية، بقيت ERGENEKON، والعشرات من المنظّمات الإرهابية المشابهة، موجودة وبقوّة في الساحة التركيّة، وحدّدت لنفسها أعداءً جدداً بعد زوال الخطر الشيوعي، وهم كل الأتراك غير المتمسّكين حتّى الموت بالقوميّة التركيّة. هكذا، بات كل من الأكراد والمثقّفين اليساريين والإسلاميين غير القوميّين، «أعداء الداخل الذين يجب القضاء عليهم».
وأبرز ما كشفته «يني شفق»، كان تأكيد محكمة إسطنبول التهم التي نشرتها الصحف التركيّة والغربية فور الإعلان عن توقيف عدد كبير من قادة المنظمة يوم الثلاثاء 22 من الشهر الجاري؛ اتهامات تصل عقوبتها إلى السجن المؤبّد (في ظلّ تجميد المحاكم التركية لأحكام الإعدام تحت الضغط الأوروبي).
ومن بين هذه التهم، قتل الكاتب الأرمني ـ التركي هرانت دينك (يساري)، والهجوم على مجلس شورى الدولة عام 2006، وقتل 3 مسيحيّين في مدينة مالاطيا في نيسان الماضي، والتخطيط لقتل حامل جائزة نوبل للآداب أورهان باموك، والتحضير لانقلاب عسكري في 2009، من خلال إحداث حالة فوضى وقتل بعض الشخصيات السياسية والقيام بتفجيرات متنقّلة.
وأبرز ما توقّفت عنده الصحيفة، كان نقطتين: الاتصالات التي أجراها كوشوك، وهو الرأس المدبّر في الميليشيا السرية، خلال الدقائق الأولى لاعتقاله وهي اتصالات كشفت عن تورّط قادة سياسيين وعسكريين كبار في دعمه وتغطيته قانونياً، قبل أن يرفعوا اليد عنه عند اعتقاله. وثانياً، الخطّة التي كان يعدّها قادة الحركة اليمينية المتطرّفة لتصفية باموك بالطريقة نفسها التي اغتيل دينك من خلال إغراء أحد الأشخاص بالمال ووعده بالحماية القانونية.
وأكّدت الصحيفة أنّه فور وصول وحدة الشرطة التركية إلى منزل الجنرال كوشوك يوم 22 الجاري لاقتياده إلى التحقيق، طلب أن ينتظروه دقائق ليجري اتصالات بـ8 من أصدقائه «المؤثّرين جدّاً في السلطتين العسكرية والسياسية»، طالباً مساعدتهم. واكتفت الصحيفة بالإشارة إلى أنّ تسجيل الاتصالات الـ8، أوضح أنّ هؤلاء «المؤثّرين» رفضوا طلب صديقهم كوشوك.
أمّا الإثارة الأبرز فتمحورت حول الخطّة التي وضعتها المنظّمة لقتل باموك، بناءً على تسجيل المكالمات التي أُجريَت لهذا الهدف.
المخطّطون للعمليّة كانوا العقيد المتقاعد من الجيش، فكري كاراداغ، والضابط محمّد يوسي، والمدعو سليم أكورت، الذي أُعدّ لتنفيذ الاغتيال، تحت إشراف كوشوك. في أحد الاتصالات، قال كاراداغ ليوسي إنّ رجل أعمال من مدينة إسطنبول سيموّل العمليّة، التي سيحقّق فيها قاضٍ ومدّعٍ عام في محكمة المدينة نفسها، مقرّبين من المنظّمة السريّة، سيقومان بحماية مرتكبي الجريمة. وفي مكالمة أخرى، بدا أكورت قلقاً من أن ينتهي أمره مثل محمد علي آغا الذي حاول اغتيال بابا الكاثوليك يوحنا بولس الثاني عام 1981، والذي لا يزال مسجوناً حتّى اليوم. ثمّ أبدى الرجل حماسة كبيرة لتنفيذ العمليّة، ليسير على خطى أوغون ساماست، قاتل دينك، الذي نال «ثلاثة مليارات ليرة في حسابه المصرفي» على حدّ كلام أكورت. وفي اتصال آخر، تعهّد يوسي للأخير، إعطاءه مليوني ليرة في مقابل العمليّة، وهو ما وافق عليه أكورت.