أرنست خوري


إحراج كبير انتاب القيادات الكرديّة العراقيّة مع إعلان الجيش التركي إطلاق حملة عسكريّة داخل الأراضي العراقيّة لتعقّب مقاتلي حزب العمّال الكردستاني في اليومين الأخيرين.
ليس هذا أكثر من مجرّد احتمال. وإن صحّ، فهو إحراج مبرَّر، كون التصريحات التركيّة الأخيرة، الحكوميّة منها والرئاسيّة، كانت قد أشاعت أجواء من التطمينات، مفادها أنه لا اجتياح في المدى المنظور لأراضي كردستان العراق.
أمام هذا الواقع، قد تكون القيادات الكرديّة وجدت نفسها مضطرّة لإعادة النظر بما سبق لها أن قدّمته على طبق من فضّة لأنقرة عندما تسابق مسؤولو حكومة أربيل إلى إعلان استعدادهم للتعاون مع السلطات التركية لمنع حركة مقاتلي «العمّال الكردستاني» في الإقليم العراقي.
هذا سيناريو افتراضي. وبحسب هذه القراءة التسطيحيّة التي يتبنّاها البعض، إعادة النظر لا تكون جديّة إلا بالعودة إلى تلك الرسالة التي بعث بها جلال الطالباني إلى أنقرة، عندما أعلن أنّ السلطات العراقيّة لن تسلّم أنقرة حتّى «قطّة كرديّة». وبما أنّ «إعادة النظر» تتطلّب وقتاً، قد يكون تكذيب أكراد العراق للإعلانات التركيّة عن عملية داخل الأراضي العراقيّة، الموقف الأقلّ كلفة في انتظار تبلور التطوّرات واتخاذ القرارات وإجراء الاتصالات للجم الجيش التركي.
قراءة أخرى أقلّ براءة تفترض أنّ من بين بنود الاتفاقات التي أُبرمَت بين الرباعي أنقرة ـــــ واشنطن ـــــ أربيل ـــــ بغداد، ما يسمح للقوّات التركية الخاصّة، بإجراء عمليّات جراحيّة موضعيّة داخل أراضي كردستان العراق؛ عمليات نوعيّة، محدودة جغرافيّاً، لكن موجعة للمقاتلين الأكراد، تستهدف معسكراتهم وقياداتهم ومواصلاتهم واتصالاتهم. وفي مثل هذا النوع من العمليّات، لا بأس بتجاوز «جزئي» للسيادة العراقيّة. وتقول تلك الأطروحة إنّ المهم في هذه الاتفاقات ألا تغتصب تركيا بشكل واسع الأراضي الكردية العراقية، بمعنى ألا تهدّد حكومة الإقليم، وسكّانه، ونفطه، وبشمركته، ومدينة كركوك خصوصاً.
هكذا يرى البعض أنّ ردّة الفعل الكرديّة إزاء العمليات المحدودة هي من ضمن «الصفقة»، ويصبح إنكار حكومة أربيل أن تكون الفرق التركيّة اجتازت الحدود، يعفيها من مسؤوليّة أخلاقيّة وسياديّة وسياسيّة تلزمها على الأقلّ، باتخاذ موقف كلامي ضدّ خرق سيادتها.
غير أنّ الموقف الأميركي الذي عبّر عنه جنرالات الاحتلال في العراق، في نفي حصول أيّة عمليات تركية داخل الحدود العراقية، هو اللافت. قد تكون الأقمار الاصطناعية الأميركية القادرة على رصد حركة «شيء» بحجم نملة في كل أصقاع الأرض، نامت في عطلة نهاية الأسبوع. هكذا يريد الأميركيّون التغطية على صفقة أُبرمَت مع الأتراك، من خلال اعتماد سياسة النعامة، إخفاء الرأس في التراب، على اعتبار أنّ هذه الخطوة تجعل الآخرين لا يرون جسدها.