حسام كنفاني


تنطلق اليوم الجولة الأولى من المفاوضات الفلسطينية ـــــ الإسرائيلية على وقع التوسّع الاستيطاني في مستوطنة «جبل أبو غنيم»، الذي شكّل السقوط الأول لبيان «التفاهم المشترك» الخاص بمؤتمر أنابوليس واختباراً لقدرة «الحَكَم» الأميركي على التحكّم بمدى التزام الأطراف ببنود المرحلة الأولى من خطة «خريطة الطريق».
ومن المرتقب أن تسيطر خطّة الاستيطان في جبل أبو غنيم على الجلسة الأولى للمفاوضات اليوم، وذلك في محاولة لفرض امر واقع جديد على الأرض ورسم خريطة جديدة للقدس المحتلة قبل الوصول إلى «الوضع النهائي»، في حال تمّ الوصول إليه في ظل الإجراءات الإسرائيلية الهادفة أساساً إلى تأجيل هذه المباحثات إلى ما نهاية.
وتعيد خطّة الاستيطان في جبل أبو غنيم إلى الأذهان استراتيجية رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو، لدى إعلانه إنشاء مستوطنة «جبل أبو غنيم» في عام 1997، التي سبقت حينها أيضاً جولة مفاوضات في «واي بلانتيشن». وفي رده على الانتقادات الداخلية والخارجية على توقيت إنشاء المستوطنة الجديدة المسماة إسرائيلياً «هارحوما»، قال نتنياهو حينها: «إن ما يرفضه العرب اليوم يقبلونه غداً، شرط رفض مطالبهم والصمود في وجههم».
هذه الاستراتيجية، ورغم تعاقب الأحزاب على الحكم الإسرائيلي، لا تزال سارية المفعول، وتمثِّل أساساً لتعاطي «الحمائم» و«الصقور» في الدولة العبرية مع «اللعبة» التفاوضية، فما قد يُرفض اليوم سيكون مقبولاً غداً بحكم الأمر الواقع. ولا شك أن الإسرائليين اختبروا هذه الطريقة ولمسوا نجاعتها خلال سنوات التفاوض الممتدة مما قبل أوسلوا إلى اليوم.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فالطرف الفلسطيني كان مصرّاً في السابق على إخلاء كامل مستوطنات الضفة الغربية وإعادة أراضيها كاملة إلى السيادة الفلسطينية. إلا أن الوقت، بحسب الرؤية الإسرائيلية، كان كفيلاً بإخراج المستوطنات الكبيرة في الضفة من دائرة المفاوضات، وبات الحديث اليوم عن «مساحة الضفة الغربية» مع إمكان تبادل أراضٍ مع الدولة العبرية.
ويراهن الإسرائيليون على أن ما نجح في الضفة الغربية ممكن أن ينجح في القدس المحتلة بغض النظر عن مكانة المدينة في الذهنية الفلسطينية والعربية. ويدرك الإسرائيليون أيضاً أن القدس المحتلة كانت عقدة المفاوضات منذ مؤتمر كامب ديفيد الأول بين مصر وإسرائيل حين لم ينجح رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس المصري انور السادات في الوصول إلى بيان تفاهم على الحكم الذاتي الفلسطيني بسبب الخلاف على وضع القدس، ما أدى إلى إرجاء البحث في الأمر.
إرجاء البحث قد يكون الخيار الإسرائيلي المفضّل حالياً، ولا سيما في القدس المحتلة، تمهيداً لإحياء مشروع الدولة المؤقتة، التي قد تتحول مع الزمن إلى دائمة، رغم أن الفلسطينيين متمسكون برفض خيار الدولة المؤقتة الوارد في «خريطة الطريق». والرهان هذه المرة أيضاً على أن «ما هو مرفوض اليوم سيكون مقبولاً غداً».
أمام مثل هذا التعاطي الإسرائيلي مع الالتزامات والبنود، فإن تعاطي السلطة الفلسطينية على المقلب الآخر، ولا سيما أنها ماضية «بحزم» في تطبيق ما هو مطلوب منها في خطة «خريطة الطريق»، يسير كأن كل الأمور تسير وفق الجدول المرسوم، ولم يبق إلا نزع سلاح الفصائل الفلسطينية ليكتمل عقد الدولة الفلسطينية الموعودة لتظهر إلى العلن.
مقاربتان متناقضتان لمسار المفاوضات تدلّان على أن السلطة الفلسطينية لم تخرج بأي عبرة أو استراتيجية تذكر من مسار أوسلو وأخواته، وهي ماضية للسقوط في الحفرة نفسها.