بغداد ـ زيد الزبيدي


بعدما «صحَت» عشائر غرب العراق قبل أكثر من سنة، تصحو اليوم عشائر الجنوب والشمال، بينما تتصاعد الاعتراضات على «الصحوتين»، كما تتصاعد الخشية من «صحوة» أخرى جديدة في إقليم كردستان، ضمن السياسات التجريبية لقوّات الاحتلال لاحتواء الوضع العراقي المعقّد.
ويرى متابعون لما يجري في بلاد الرافدين أنّ ما سُمِّي «مجالس الإنقاذ»، أو «الصحوة»، تمّ تدشينها للمرّة الأولى عقب هزيمة القوّات الأميركية في معركة الفلّوجة الأولى، في ربيع 2004. وأولى هذه التجارب حصلت حين تمّ تشكيل قوّات من أهل المدينة ومن الجيش السابق لحماية الفلوجة من «القاعدة» والأميركيين. إلّا أنّهم لم يستطيعوا السيطرة على الوضع بعدما فرضت «القاعدة» سيطرتها وهمّشت فصائل المقاومة وفرضت نظاماً «طالبانيّاً» متشدّداً.
وساعدت بعض الفصائل المسلّحة التي فرضت نفسها على الساحة، في فشل هذه المجالس، عندما حاولت تطبيق رؤيتها في الحكم بمعزل عن الدولة وبطريقة غير مقبولة بالنسبة للمواطنين من أبناء الفلوجة الذين فُرضت عليهم قوانين خاصّة، لم يألفوها من قبل في ظلّ غياب القوى الحكومية، ما أدّى إلى إنهاء هذه التجربة، وفرض العزلة على المدينة «المتمرّدة».
ويقول أحد مثقّفي الفلوجة إنّ «القوّات الأميركية أرادت إفشال هذه التجربة، وسعت إلى ذلك بدفع من بعض الأحزاب التي كان يهمّها اشتعال المناطق الغربية من العراق، لغرض التعتيم على ما يجري في الوسط والجنوب من أنشطة الميليشيات الشيعية، التي فرضت سيطرتها هناك، لتطبّق النموذج الفلّوجي المؤقّت، في الحكم الديني، لكن وفق منهج مختلف».
وبحسب الطبيعة الاجتماعية في العراق، كانت هناك عناصر ومجموعات كثيرة، خارجة على القانون، احتمت بالمقاومة، التي تُعدّ مركز قوّة، وتبادلت معها المعونة في أوجه عديدة، بينما كانت هناك في المناطق التي تُسمّى «آمنة»، عناصر ومجموعات مشابهة احتمت بأحزاب السلطة وميليشياتها، وأصبحت جزءاً منها، بل أصبحت تمارس السلطات الدينية والحكومية نفسها.
ويجمع المثقفون العراقيّون على أنّ الكلام الأميركي عن «الديموقراطية» بات هرطقة بعدما ابتكرت القوات الأميركية بدعة «مجالس الصحوة» على أسس عشائريّة، من المؤكّد أنها لا تتلاءم مع «الديموقراطية الحديثة».
وأكثر ما يحيّر العراقيّين اليوم، هو مباركة القوى اليسارية المتحالفة مع الاحتلال لـ«الصحوات» العشائرية، وهي التي تدفع اليوم في اتجاه «صحوات» في الجنوب، وتنادي بضرورة إعطاء دور حيوي وقيادي للزعامات العشائرية، كالذي كان سائداً في مطلع القرن الماضي، وذلك تماشياً مع الرغبة الأميركية التي يعتبرون أنها «تقدّميّة تقوم على العودة إلى الوراء».
غير أنّ الرأي السائد لدى الأحزاب الدينيّة المتنفّذة في وسط العراق وجنوبه، يخالف التوجّه نحو العشائر، باعتبار أنّ أعمال العنف هناك «ليست إرهابية كما في مناطق العراق الأخرى وإنّما هي خلافات حزبيّة، ومع فئات خارجة على القانون يجري التعامل معها من قبل القوات الحكومية»، بحسب مواقف «المجلس الأعلى الإسلامي».
وعلى العكس من تبريرات الأحزاب الجنوبية في رفضها لـ«الصحوات»، يجد الكثيرون أنّ فيها نوعاً من الخلاص من التعصّب الطائفي، بينما يجد آخرون أنّ الأحزاب الدينيّة الحاكمة فرضت البطالة على أبناء العشائر، ولم تستوعبهم في الأجهزة الأمنية أو الحكومية، لذا يرون أنه من الأجدى الحصول على دخل مناسب من دون أن يضطرّوا إلى الدخول في الأحزاب بل في «جيش من العشائر».