strong>حسن شقراني


لعلّ أبرز ما يقارب التحوّل الذي طرأ على «المسار الليبي» وتعاطي الغرب معه، جملة لرئيس الدبلوماسيّة الفرنسيّة، برنار كوشنير، قالها عقب وصول زعيم الجماهيريّة الليبيّة، معمّر القذافي، في زيارة تاريخيّة إلى فرنسا (مستمرّة حتى الجمعة المقبل): «الواقع هو أنّ العالم يتغيّر... وهذا الرجل (القذافي) انتقل من ممارسة الإرهاب إلى محاربته، وسياستنا هي سياسة انفتاح»

الانفتاح الليبي، كما أوضحت أحداث السنوات الأربع الماضية، لم يكن مجانياً لطرابلس. فهو وضع حداً للعزلة الدوليّة المفروضة على النظام الليبي، «المشاكس» مذ أطاحت الثورة البيضاء (بقيادة معمر القذافي) الملك إدريس الأوّل عام 1969، في مقابل «تنازلات». تنازلات رأى فيها الغرب، وفي مقدمته الرئيس الأميركي جورج بوش، عبرة لمن يريد أن يكون «مارقاً» في عالم ما بعد احتلال العراق وفي خضمّ الحرب العالمية على الإرهاب، بينما يصنّفها (حسبما يتّضح حتى الآن) العقيد الليبي، براغماتيّة (بعيدة عن طروحات «الكتاب الأخضر») في العلاقة بين بلدان العالم العربي المتمرّدة منذ ثورات الاستقلال، والكولونياليّة التي استمرّت بأشكال مختلفة.
أيّاً تكن التفسيرات لقيام القذافي عام 2003 بطرح برنامج ليبيا المخصّص لأسلحة الدمار الشامل على العلن ودعوة الغرب إلى التفقّد والتأكّد (بينها الضغوط الاقتصاديّة على ليبيا في ظلّ الضعف النسبي لمردود النفط إلى جانب «خوف» القذافي من اندثار إرثه على شاكلة ما حلّ بحزب البعث العراقي وبالرئيس صدام حسين وبالتالي السعي إلى «تسوية لإنقاذ الذات») فإنّ الأكيد أنّ العقيد الليبي، بدبلوماسيّة محدّثة في التعاطي مع أوروبا والولايات المتّحدة (حافظت على تقليد نصب الخيم، حتى في العواصم الغربية)، استطاع أن يقلب الموازين. ودعوة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للقذافي إلى زيارة فرنسا (والاتفاق المبدئي في الصيف الماضي على توقيع عقود بقيمة 15 مليار دولار بينها برنامج نووي سلمي للطاقة و21 طائرة «إيرباص») كانت محصّلة طبيعيّة لقبول العقيد الليبي بتسوية نهائيّة لقضيّة الممرّضات البلغاريّات الأربع والطبيب الفلسطيني (الأمر الذي مثّل نصراً دبلوماسيّاً لـ«ساركوزي منتخب حديثاً يطرح رؤية القطيعة مع الماضي»). كما كانت استمراراً لما بدأ عام 2003، وكلّلته في المنتصف زيارة رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير حينها إلى طرابلس في آذار عام 2004.
يمكن الإضاءة على مفصلين (منفصلين زمنياً) يبرزان «حنكة» الزعيم الليبي على مسار «قلب الموازين»:
* عام 2005 (بعد نحو عامين على «تسوية الإنقاذ») كانت البعثة الدبلوماسيّة الأميركيّة الأوليّة تشغل ثلاث طبقات من فندق «كورينثيا» في طرابلس، وكانت ممثليّة ليبيا في واشنطن تستعدّ لإعادة فتح السفارة القديمة للجماهيريّة. في هذا الوقت، كان القذافي مشغولاً في «نشوة الانفتاح». لكنّه كان أيضاً يأمل في أمرين: الأول، الجهود المستمرّة على درب نشاطات التوحيد في القارّة الأفريقيّة؛ فهو لم ينفكّ يطرح نفسه، بـ«مثاليّة الديكتاتور»، رائداً في مجال توحيد قارة هو الزعيم الأكثر نفوذاً فيها، وإن كانت العبر من تجربة «فديراليّة الجمهوريّات العربيّة» (ليبيا وسوريا ومصر) في السنوات الأولى من سبعينيات القرن الماضي، لا تفيد بإيجابيّة في هذا الإطار نظراً للفوارق الجمّة التي اكتشفها الزعماء الثوريّون في العالم العربي «المتخلّف» بعد الاستقلال.
أمّا الثاني، فهو في كيفيّة الإبقاء على خطاب القوّة، بينما العالم كلّه يشهد «إذعان العقيد» للغرب، للحفاظ على الهيبة والإبقاء على الإمساك في مفاصل الحكم وقواعده. ومن هذا المنطلق، كان حديث العقيد، في آب عام 2006، عن «قتل الأعداء» الذين يريدون تغيير النظام في طرابلس. ولعلّ صدى احتجاج وزيرة شؤون حقوق الإنسان الفرنسيّة، راما ياد، على زيارة القذافي إلى باريس تكتسب معنى في هذا السياق.
* خلال خطاب في جامعة لشبونة الجمعة الماضي (عشيّة بدء القمّة الأوروبيّة ـــــ الأفريقيّة، وقبل يومين من بدء زيارته إلى فرنسا) قال العقيد الليبي إنّ «على الدول الكولونياليّة (سابقاً) التعويض على الشعوب التي استعمرتها». تصريح يبدو منطقياً في الجانب التقني، أخذا بالاعتبار الـ 2.4 مليار دولار التي يدفعها النظام الليبي لضحايا عائلات تفجير طائرة «بان أميركان» فوق لوكربي عام 1988. غير أنّ الجانب السياسي منه يفيد بأنّ زعيم ليبيا لا يزال يذكر ما أحدثه مروّضوه بشعوب العالم الثالث، على أمل أن يستعيد المبادرة... ويروّضهم.
ذات يوم وصف الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، القّذافي بأنّه «الكلب المسعور في الشرق الأوسط»!