strong>بول الأشقر


خمس دقائق بعد الوقت المحدد، وصلت المرأة الأولى التي اختيرت بالاقتراع المباشر لقيادة الأرجنتين. دخلت مبنى مجلس النوّاب، الذي يُذكّر بهندسته بمبنى الكونغرس الأميركي، وصعدت إلى المنصّة يرافقها زوجها نيستور كيرشنير الذي كانت تنتهي ولايته.
وجه «البطريق»، كما لقّبه خصومه قبل أن يتبنّى التسمية، مرحٌ، يعترف بأنّه لم يستوعب يوماً قوانين البروتوكول، وسعيد، ليس فقط لأنه يسلّم زوجته مقاليد الحكم بعد ولاية دامت 4 سنوات ونصف سنة، بل لأنّه يخرج أيضاً من الـ«كازا روزادا» أي البيت الزهري، مقر رئاسة الجمهورية الأرجنتينية، وهو يحظى برضى أكثر من 70 في المئة من مواطنيه، ما يؤهّله الآن للقيام بإعادة هندسة الحياة السياسيّة المريضة بأزمة الأحزاب.
تكلّمت الرئيسة المنتخبة خلال 53 دقيقة، كعادتها، وبوضوح تام وصارم خال من العاطفة، من دون قراءة، بالمنطق الذي يميّزها وبالقناعات «التي ما زلت أتمسّك بها، ربما صارت فقط أكثر تواضعاً... كنا نودّ تغيير العالم، واليوم نكتفي بتغيير الأرجنتين».
حافظت كريستينا على قناعات الشباب بعدما حدّثتها، إلّا أنّ همّها اليوم هو شرح معالم الاستمراريّة ومعالم التغيير في ولايتها المبتدئة مع رجل تشاركت معه على مدى ثلاثة عقود، القناعات والمعارك السياسيّة، ليس من موقع الزوجة، بل من موقع امرأة سياسيّة ناجحة. ولأنّ وصولها إلى سدّة الرئاسة لم يكن وليد «كاريزما» خاصّة بل عمل جماعي وَظّفت فيه المزايا الخاصّة في ظروف محدّدة، لم تجد كريستينا عبارة غير «الرئيس الجالس إلى يساري» للحديث عن الولاية المنتهية وصاحبها.
في المرّة الثالثة، توقّفت وابتسمت لعجابة العبارة التي تستعملها. أكثر من التغيير، اقترحت تعميق الولاية المنتهية بالتركيز على بعض المجالات التي، بقاموسها، تساوي التصويب.
«لست هنا لأتحوّل إلى شرطيّ يحقّق في ربحيّة رجال الأعمال، ولا إلى أداة في أيّ صراع نقابي أو سياسي»، قالت كريستينا التي تحلم بعقد اجتماعي على النموذج الألماني للإشراف على اقتصاد تكون فيه «علاقة الصناعة بالزراعة تعاضديّة». جلب الرساميل ومعالجة معادلة الطاقة والتضخم هي المهمات التي تنتظرها إذا أرادت إطالة أمد أفضل فترة نموّ اقتصادي منذ قرن في الأرجنتين.
المدرسة الرسميّة تمثّل «عصب التغيير المنشود»، ويجب السعي إلى تحقيق «الحرية المرتبطة بالعدالة». هكذا تفهم كريستينا القناعات. «العالم الأحادي هو الأقلّ أماناً والأقلّ عدلاً... والإرهاب الدولي الذي ضرب مرّتين في الأرجنتين لا يقاوم بل يقوّى بخرق حقوق الإنسان»، شرحت كريستينا، التي تهوى السياسة الخارجية على عكس زوجها.
«كلّ مركز، أيّاً يكن، أصعب على المرأة... إلّا أنّني أشعر بالقوّة الكافية لإتمام المهمة»، قالت الرئيسة مستلهمة إيفا بيرون وأولئك النساء «اللواتي يلبسن الأبيض»، في إشارة إلى أمّهات ساحة أيار، حيث تظاهرت أمّهات المخطوفين، واليوم جدّاتهم، خلال عقود. أضافت: «آمل أن تصل إليهنّ العدالة بعد طول انتظار، ونعود بمناسبة مرور 200 عام على مرور الاستقلال (عام 2010) ينظر بعضنا إلى بعض»... كريستينا امرأة منطق ممزوجة بامرأة قناعات.