معمر عطوي


لا يمكن تفسير الكشف عن مضمون تقرير وكالات الاستخبارات الأميركية عن الأنشطة النووية الإيرانية، الذي صدر مطلع الشهر الجاري، بمعزل عن قراءة التحولات السياسية التي يمر بها الشرق الأوسط والعالم. ذلك أن السماح لـ16 جهازاً استخبارياً بنشر تقرير يتضمّن معلومات حساسة تناقض تصريحات متكررة للإدارة الاميركية وللرئيس جورج بوش، لا يمكن أن يكون قد تم بمعزل عن موافقة البيت الابيض.
لكن ثمة قطبة خفية في نسيج العلاقة بين الاستخبارات والإدارة السياسية، يمكن من خلالها استشفاف لعبة توزيع أدوار، بين رئيس مصرّ على وجود خطر نووي إيراني وجواسيس يؤكدون وقف الأنشطة النووية العسكرية الإيرانية في هذا الإطار منذ 4 سنوات، وبين مؤسسات أمنية وعسكرية ترفض الوقوع مجدداً في فخ أكاذيب أسلحة الدمار العراقية.
غير أن التطورات التي مرََّّت بها منطقة الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة، يمكن أن تحمل مسوّغات مقنعة للإدارة الأميركية، بالرضوخ لبعض المطالب الايرانية، بهدف الخروج ـــــ بأقل خسائر ممكنةـــــ من المستنقع الذي علقت في وحوله منذ غزوها أفغانستان ومن ثم العراق، إذ يبدو أن بوش، الذي تحوَّل خطابه من تهديد بحرب نووية عالمية الى تلويح بفرض عقوبات مشدّدة على النظام الإسلامي، قد وجد سبباً مقنعاً دفعه لأن يسمح بكشف مضمون التقرير الاستخباري. لعل هذا السبب المركَّب، يبدأ من إيمان بوش العميق بأن نفوذ إيران في العراق، ورقة رابحة في يد من كان يظنهم «ملالي مجانين». وربما ينتهي هذا السبب في لبنان، حيث فشلت أميركا، ومعها إسرائيل، العام الماضي في القضاء على حزب الله، وحيث لا تزال تواجه عقبات كبيرة تحول دون نجاح مشروعها السياسي.
لعبة توزيع الأدوار هذه، التي تحفظ للرئيس الأميركي «كبرياءه»، تتمحور بين ضغط سياسي كبير يواجهه داخل إدارته، تقوده وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس من أجل الدخول في تسوية مع إيران، وبين جنرالات يعملون على إجهاض أي مشروع حرب جديدة قد تقودها الولايات المتحدة وراء البحار.
ومن الواضح أن الرئيس الأميركي قد وجد في هذا التقرير مُبرراً لتغيير لهجته «الاستعلائية» تجاه طهران، وخصوصاً بعد ما فقده من أوراق قوة منذ غزو جحافل جيوشه المنهزمة لبلاد الرافدين. تغير ربما يستهدف الانتقال من المواجهة المباشرة «إدارة أزمة» بانتظار السيد المقبل للبيت الأبيض، أو محاولة التوصل إلى تسوية مع النظام الإسلامي، لا بد أن تكون «مذلة» إذا ما قورنت بمعايير إدارة بوش.
مهما يكن من أمر، تبدو واشنطن حريصة على الحفاظ على خط الرجعة. حرص قد يكون أبرز دليل عليه تصريح وزير الدفاع روبرت غيتس الاسبوع الماضي في المنامة عن «خطر إيراني» يتهدد دول الخليج، ودعوتها الى إقامة نظام دفاعي صاروخي جوي لمواجهته.