شهيرة سلوم


مع استعداد حزب المؤتمر الوطني الحاكم في جنوب أفريقيا لانتخاب القيادة الحزبية الأحد المقبل، التي ستفتح معركة الانتخابات الرئاسية بعد عامين، يبدو واضحاً أن الخلافات المشتعلة بين المرشحين الرئيسيين للأمانة العامة: الرئيس الحالي للبلاد ثابو مبيكي ونائبه السابق جاكوب زوما، قد انعكست انشقاقاً داخل الحزب نفسه، الذي جسّد المبادئ التي أرساها نيلسون مانديلا بكفاحه التاريخي ضدّ الفصل العنصري.
ويتحدّر الرئيس الحالي لجنوب أفريقيا من عائلة سياسية ساهمت في تحرير البلاد من سياسة الفصل العنصري، حيث سجن والده جوفان مبيكي مع مانديلا عام 1964، إلى أن أُطلق سراحه عام 1987. وكان الابن ناشطاً سياسياً ومفاوضاً رئيسياً عن المؤتمر الوطني في المحادثات التي أنهت عهد الفصل العنصري في أوائل التسعينات. وبعد انتخابات عام 1994، أصبح مبيكي نائباً للرئيس نيلسون مانديلا، قبل أن يخلفه عام 1999، ويعاد انتخابه عام 2004.
واعتمد مبيكي، خلال حكمه، سياسة مالية محافظة، وعمل لأجل تحسين الوضع الاقتصادي لزنوج جنوب أفريقيا، وكان له دور دبلوماسي بارز في تدخله وسيطاً في النزاعات الإقليمية، ما عزّز من موقعه الدولي، حيث وجد فيه العديد من الدول رئيساً يُعتمد عليه، ولا سيما بعدما كوّن لنفسه سمعة جيدة جرّاء التقدم والازدهار الذي حقّقه داخل بلاده، تعزّزت بعدما طرد نائبه زوما على خلفية تورّطه في قضايا فساد.
وتنتهي الولاية الدستورية لمبيكي عام 2009، وتنحيته عن رئاسة الحزب الحاكم ستعني عدم إكماله ولايته الرئاسية وإجراء انتخابات مبكرة. في المقابل، فإن إعادة انتخابه على رأس الحزب الحاكم، ستخوّله تسمية خليفته لرئاسة البلاد.
وكان مبيكي وزوما حليفين مقرّبين، خاضا المعركة نفسها ضدّ الفصل العنصري وحوّلا البلاد إلى دولة مستقرة ذات قوّة اقتصادية. ويوجّه إليهما اللوم نفسه في عدم الفصل بين الحزب والدولة، والتسبب بانتشار الفساد والمحسوبية داخل الإدارات الرسمية للدولة.
بداية الخلافات بينهما كانت شخصية، عندما شعر زوما بأنه مهمّش من قبل مبيكي، فيما شعر الأخير بالتهديد المتأتي من نائبه، ووصل إلى حدّ اتهامه بتدبير انقلاب ضدّه عام 2001. عندها، ردّ مناصرو زوما باتهام مبيكي باستخدام أجهزة السلطة لخوض حملة سياسية منظمة ضدّه طمعاً في الاستمرار بموقعه.
وطال الانقسام بين الرجلين بناء الحزب، حيث انضم الجناح اليميني المتضرّر من السياسة المالية المحافظة التي يتبعها مبيكي إلى زوما. في المقابل، اجتاحت موجة من القلق مناصري مبيكي، الذين يخشون فوز زوما في الانتخابات، وتأثير ذلك على الإنجازات التي حققها رئيس البلاد على مدى 15 سنة لإدخالها في اقتصاد السوق. ويدّعي هؤلاء أن زوما، الذي رجحت المؤتمرات التحضيرية الشهر الماضي فوزه، لا يحترم القانون ولديه صلات مع أشخاص متورطين بالفساد، وخصوصاً بعد الكشف عن صفقة شراء الأسلحة التي أدّت إلى طرده من منصبه، وإدانة القضاء لمستشاره المالي شابير شايك بتهمة تقديم رشوة بالنيابة عن زوما. كما يدّعون أنّه يفتقر إلى الكفاءة التي تخوّله احتلال المنصب الأعلى في البلاد، ويهدّد ديموقراطيتهم الناشئة.
انشقاق يهدد بانفراط عقد «المؤتمر الوطني»، الذي وُصف ذات مرة بأنه «كاتدرائية الأخلاق»، وانقسامه إلى أحزاب وتيارات سياسية أخرى تضع نهاية لحكم الحزب الواحد، رغم تاريخه النضالي لتحرير البلاد، ولـ«حقبة مانديلا»، التي حوّلت حركة التحرير الوطني إلى حزب سلطة تتصارع داخله المصالح الفردية.