strong> حسن شقراني


ليس اختيار خليفة لفلاديمير بوتين سوى مشروع وطني آخر في روسيا، يطرح على طاولة مباحثات الكرملين، ويعرض على العلن على أنّه نتيجة مشاورات الأحزاب المتحكّمة بغالبيّة مقاعد الـ«دوما». وانتقاء ديميتري ميدفيديف ليكون «المختار» (بين سلّة صغرت محتوياتها مع مرور الوقت على لعبة «الأحجية السوفياتيّة» التي أطلقها بوتين منذ إعلانه نيّته عدم الترشّح لولاية ثالثة «غير دستوريّة») هو تتويج لسياساته البيروقراطيّة الناجحة في المجلس الحكومي للمشاريع الوطنيّة، وفي الوقت نفسه خيار يضع «البيروقراطي النشط» في الواجهة بينما السياسة تبقى في حضن سلفه.
«ديما»، كما يحبّ بوتين أن يناديه (التسمية وردت في كتاب جمع سلسلة مقابلات لبوتين ونشر عام 2000)، ليبرالي معتدل، تصفه المعارضة والموالاة في روسيا بأنّه «صاحب طيف لطيف» منكبّ على العمل، وشخصيّة تولي اهتماماً كبيراً للجانب التكنوقراطي للمنصب أكثر من الدخول في دهاليز السياسة. وقد بانت الصفة الأخيرة عاملاً أساسياً في الشخصيّة، عندما بدأ ميدفيديف العمل تحت جناح بوتين مستشاراً قانونياً لمجلس العلاقات الخارجيّة في بلديّة سانت بطرسبرغ عام 1990.
رأى بعض المراقبين أنّ «الاختيار» كان إلى حدّ ما مفاجئاً ومبنياً على تسوية، بحكم أنّ ميدفيديف ليس معادياً للغرب مثل معظم المتأثّرين بالرياح القوميّة التي تعصف بالبلاد منذ عمل بوتين على إعادة «الكرامة الوطنيّة» بعد تسلّمه مفتاح الحكم من بوريس يلتسين عام 2000. بل يمكن القول إنّ أهواءه الليبراليّة تجعله شخصيّة أكثر أوروبيّة (خصوصاً أنّ أهواءه الثقافيّة غربيّة: هو مغرم بموسيقى الـ«روك إند رول»). إلّا أنّ الاختيار يبدو مثالياً لسببين:
* يعدّ ميدفيديف الشخصيّة الأبرز التي عملت على تحقيق الرخاء والترويج له، في حلقة المرشّحين لخلافة الرئيس. فزميله في نيابة رئيس الوزراء، سيرغي ميرونوف، (كان اسمه مطروحاً بصفة «مختار» محتمل) كان مشغولاً في الترويج لـ«النانوتكنولوجيا» واستعمالاتها العسكريّة (بحكم كونه وزيراً سابقاً للدفاع) وبالتالي زيادة التوتّر مع الغرب (عند اغتيال الجاسوس الروسي المرتدّ عن نظام بوتين، ألكسندر ليتفينينكو، قال: «ليتفينينكو كان نكرة بالنسبة لنا ولا يهمّنا ما كتب على وسادته عند موته»). كذلك فإنّ المرشّح الآخر المحتمل، رئيس الوزراء فكتور زوبكوف، هو هرم في السياسة، ولا يزال يعتمد سياسة «القمع العلني» للضباط الأقّل رتبة، وعمره تجاوز الـ60 عاماً، وهو ما يفقده خاصيّة الـ«كاريزما» الشبابيّة التي يتمتّع بها مديفيديف (42 عاماً فقط).
والشعبيّة الصاخبة التي يتمتّع بها بوتين (أمّنت لحزبه «روسيا الموحّدة» فوزاً في انتخابات مجلس الـ«دوما»: أكثر من 75 في المئة من نسبة التمثيل) قائمة على «حسن الإدارة» لموارد البلاد (النفطيّة والغازيّة) وللاقتصاد. وإلى جانب عمله رئيساً للمشاريع الوطنية (المعتمدة على عائدات النفط الضخمة) يشغل ميدفيديف منصب رئيس مجلس إدارة شركة «غازبروم» (قيمتها السوقيّة تبلغ 345 مليار دولار)، الذراع الطائلة في الضغوط السياسيّة على بلدان الجوار وأوروبا.
* عمل بوتين الجاد على إبقاء سيطرته على مفاصل الحكم فرض عليه هذا التعيين؛ فميدفيديف هو المستشار الأكثر قرباً منه (وإن أصوله ليست من نخبة قادة جهاز الاستخبارات السوفياتي السابق «كاي جي بي»، كما الحال مع بوتين وسيرغي إيفانوف، بل ينحدر من بيت وبيئة أكثر أكاديميّة، فوالده كان أستاذ هندسة ووالدته أستاذة لغة. وقد أحضره بوتين بنفسه إلى موسكو في تشرين الثاني عام 1999، إذ كان أحد نخب سان بطرسبرغ (أستاذاً في جامعة المدينة بين عامي 1990 ـــــ 1999)، وعيّنه مديراً لحملته الانتخابيّة عام 2000، ومن ثمّ مديراً للموظّفين في تشرين الأوّل عام 2003، بعد سنتين تدرّج خلالهما ليصبح رئيس مجلس إدارة «غازبروم». إلى أن عُيّن نائباً لرئيس الوزراء عام 2005.
وبالتالي يمكنه الاعتماد على ولائه والتزامه بالمسائل الاقتصاديّة خلال ولايته الوحيدة (لأنّ بوتين أعرب عن رغبته في العودة إلى رئاسة الكرملين عام 2012) على أن تحدّد الوجهات السياسيّة الحاسمة في رئاسة الوزراء، وهو المنصب المتوقّع أن يشغله بوتين، وخصوصاً بعدما أعرب ميدفيديف عن رغبته في ذلك. كذلك، فإنّ تحديد الأخير للصفة الأساسيّة التي يجب أن يتمتّع بها وريث بوتين، بالقول: «عليه العمل على ألّا يفسد شيئاً» من البناء الاقتصادي والثقافي البوتيني، يعدّ موقفاً صريحاً يعبّر عن رؤيته لمستقبل روسيا: الإبقاء على النمو الاقتصادي القياسي، والاستمرار في الصعود السياسي على الساحة الدوليّة من خلال اللعب (على الطريقة السوفياتيّة) بأوراق النفوذ.
ومن الحجّتين المذكورتين يمكن اعتبار خيار بوتين لخليفته هو الأسلم. وميدفيديف (إذا انتخب!) سيكون «الزعيم» الروسي الأصغر منذ اعتلاء القيصر نيكولا الثاني عرش روسيا عام 1894 (كان عمره حينها 26 عاماً)، إلّا أنّ توجّهاته (الإيديولوجيّة) المعادية لـ«السوفياتيّة»، (والتي عبّرت عن نفسها خلال حقبة «الضياع» بين «بيريسترويكا» ميخائيل غورباتشيف والتمسّك ببقايا المنظومة الاشتراكيّة) المتوافقة مع قناعات الناشط الديموقراطي، أناتولي سوبتشاك، تجعله ضليعاً جداً بالسياسة.
أن يكون مرشّح بوتين ليبرالياً ليس معادياً للغرب (مثل النظام القائم) هو خبر جيّد لأوروبا التي تعوّل، مثل الغرب عامة، على تمرّد ميدفيديف على عرّابه، على غرار ما فعل السيد الحالي للكرملين مع بوريس يلتسين، وأن يكون لتمرّده أساس يروّج لنظام «ديموقراطي» يطالب الغرب موسكو باعتماده.
إلّا أنّ الموضوع بالنسبة لروسيا يتعلّق بقيصر جديد اختاره رئيس يعوّل على العودة... وإن كان قيصراً من نوع آخر!