يعاني الجيش الأميركي اليوم مشكلة جديدة ناشئة عن «الإفراط» في التمدّد الجغرافي وتعدّد الجبهات، إذا يدور جدل صامت بين الكونغرس ووزارة الدفاع حول إشكالية تجيير أموال الدولة إلى الحاجات اليومية للقوات المسلحة أو إلى برامج التطوير العسكري الملحّة.

ويتمحور النقاش بشكل أساسي حول تمويل أضخم برنامج تحديثي والأعلى كلفة في تاريخ الجيش الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية المعروف باسم «مشروع المنظومات القتالية المستقبلية».
ويهدف البرنامج إلى تطوير تقنيات عسكرية فائقة التطور من روبوتات وأجهزة استشعار واستطلاع ومركبات قتالية غير مأهولة موصولة جميعاً بشبكة اتصالات وقيادة لاسلكية، إذ بحسب رؤية الجيش «إن حروب المستقبل ستخاض بالنقر على فأرة الكمبيوتر».
وبدأت الفكرة عام 1995 خلال تدريبات نظرية ضمت أكثر من 700 خبير عسكري لمحاكاة سقوط الرياض في يد القوات الإيرانية وقياس قدرة القوات الأميركية الموجودة في المنطقة على الردّ، وخلص البنتاغون إلى أن قواته تحتاج إلى اكتساب قدرة وسرعة أكبر في حركتها.
ويقول أحد المسؤولين عن المشروع، الجنرال ستيفن سبيكز، إن المرة الأخيرة التي انكبّ فيها الجيش على برنامج تحديثي بهذا الحجم كان منذ 50 عاماً، واليوم يحاول الجيش اللحاق بالتطور عبر الاستفادة من الانترنت والاتصالات الرقمية وإدخالها إلى الجيل المقبل من أسلحة المعارك.
لكن الإشكالية التي يطرحها البرنامج تكمن بشكل أساسي في ارتفاع التكاليف في مقابل المردود المتواضع، حيث لم تخرج إلى النور سوى تقنيات محدودة حتى الآن. ويتساءل أعضاء الكونغرس والمفتشون الحكوميون عما إذا كانت وزارة الدفاع قد أقحمت نفسها في أحد أكبر الإخفاقات والأعلى كلفة عبر إنفاق المليارات على تقنيات قد لا تبصر النور، تاركاً للجيش وقتاً قصيراً وميزانية ضئيلة للتحضير للتحديات المستقبلية.
ويشير مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن البرنامج سيستحوذ على نصف ميزانية القوات المسلحة بحلول عام 2015، ويستمرّ بهذه النسبة لعقد كامل. وتقول مسؤولة اللجنة الفرعية للقوات البرية والجوية في الكونغرس، نيل ابيركرومبي، إن هناك «مشاكل جدية» في البرنامج «بما أنه نقطة انطلاق، ارتفعت التكاليف بشكل هائل فيما تقلّصت بثبات القدرات المتوقعة (من البرنامج). والآن مع جهوزية الجيش المتدهورة بعد خمس سنوات من القتال المستمر في العراق، لا أرى كيف سيكون الجيش قادراً على ترميم نفسه وتمويل البرنامج».
وفيما خلصت إحدى لجان الكونغرس إلى أن تكاليف البرنامج ارتفعت من 91 ملياراً عام 2003 إلى 162 في العام الجاري، كشفت تقديرات خاصة لوزارة الدفاع أن كلفة البرنامج ستتجاوز عتبة الـ200 مليار دولار بسهولة. ويقول المسؤول في مركز الأبحاث العسكرية «ستراتيجيك اند بدجتاري اسيسمنت» إن «الجيش يعاني مشاكل كبيرة على المدى البعيد في ميزانيته». ويتابع أن «السؤال ليس مدى قدرة الحكومة على دفع تكاليف النزاعات في العراق وأفغانستان في الوقت الحالي، فذلك تغطيه الموازنات الإضافية. المسألة هي في مدى قدرة الجيش على تحمّل تكاليف البرنامج، وفي الوقت نفسه، كلفة زيادة 65000 جندي وتكاليف التأمينات الصحية والتعويضات المرتفعة باستمرار» جراء الحرب في العراق وأفغانستان.
لكن المسؤولين عن البرنامج يدافعون عنه باعتبار أن التقنيات الجديدة ستقلّص العديد البشري للدعم اللوجستي وتوفّر استهلاك موارد الطاقة وكلفة صيانة الآليات، وبالتالي ستوفّر أموالاً طائلة على الجيش.
وفيما قرر الكونغرس أن يؤجل حسم مسألة التشبّث بالبرنامج من عدمه إلى عام 2009، يرى المراقبون العسكريون أن الأوان فات للعدول عنه؛ فالبرنامج يتعاطى حتى الآن مع أكثر من 550 متعاقداً من الشركات الخاصة في 41 ولاية، وهو ما يجيّر له «إرادة سياسية داعمة».
(عن «واشنطن بوست»)