أرنست خوري


لم تمضِ أيّام على مبادرة رئيس وزراء تركيا رجب طيّب أردوغان، التي تقضي بتوسيع إطار العفو عن مقاتلي حزب العمّال الكردستاني، حتّى خرج عسكر البلاد عن صمتهم، وأكّدوا أنّهم لم يخرجوا من دائرة الفاعلين في اتخاذ القرار حتّى ولو أنهم خسروا منذ تمّوز الماضي، النفوذ الأقوى في المؤسّسات السياسية الأولى الثلاث: الرئاسة والبرلمان والحكومة.
ومنذ اتفاق أردوغان وجورج بوش في 6 تشرين الثاني الماضي في واشنطن على طيّ خيار الاجتياح العسكري الشامل لأراضي كردستان العراق، والاستعاضة عنه بأساليب أخرى، بدا واضحاً أنّ المؤسّسة العسكريّة قبلت الموضوع على مضض. وبدا كأنّ الصمت العسكري إزاء قرارات العفو والاكتفاء بعمليّات محدودة جنوب شرق البلاد، هو صمت غير الراضي، الذي يحفظ لصاحبه حقّ الردّ والوقوف في المرصاد لمواجهة أي محاولة حكومية أو رئاسيّة للتعامل «بحضارة» مع القضية الكرديّة. ومَن فَهِم هذا السكوت العسكري كأنّه «علامة الرضى»، عاد وغيّر رأيه بلا شكّ عندما استمع أوّل من أمس إلى قائد الجيش يسار بويوكانيت ونائبه إرغين سايغون وهما يشنّان حملة على الحكومة التركية من دون أن يسمّوها، كما على الدول الأجنبيّة التي «تدعم حزب العمّال تحت شعارات حقوق الإنسان».
وفي ندوة تحت عنوان «الوقاية من الدعم الاقتصادي والايديولوجي لحزب العمّال الكردستاني/كونغرا إيل» نظّمتها قيادة الجيش التركي / قسم الأرشيف» ومعهد الدراسات الاستراتيجية، عاد بويوكانيت شهوراً إلى الوراء، ليلقي باللوم على السماح لنوّاب حزب المجتمع الديموقراطي بالوجود في البرلمان، معتبراً أنّ هذا الأمر «شرعن الإرهاب» الكردي. ورغم أنّ قائد الجيش لم يُلقِ بالمسؤولية على الحكومة مباشرة، إلا أنّ خلفيّة الكلام لا يمكن تفسيرها إلا موجّهة ضدّ حكومة أردوغان، لكون النوّاب العشرين الذين يمثّلون حزب المجتمع الديموقراطي، الذي رأى بويوكانيت مجدّداً أنّه فرع لـ«العمّال الكردستاني»، لم يصلوا إلى المجلس النيابي إلّا في انتخابات تمّوز الماضي، أي في عهد حكومة «العدالة والتنمية».
ومعروف أنّ أردوغان والرئيس عبد الله غول وحزبهما عموماً، أبدوا منذ 2002، سلوكاً أكثر مرونة إزاء الحركة الكرديّة في البلاد. وكان سماحهم لحزب المجتمع الديموقراطي بالعمل الشرعي، نقطة خلاف كبيرة بينهم وبين المؤسّسة العسكرية، وبطبيعة الحال الأحزاب القومية المغالية في علمانيتها وشوفينيتها التركية. لكن بعد صدمة وصول غول وزوجته المحجّبة خير النساء إلى قصر شنقايا، قرّر الجيش التخفيف من هجومه على الحكومة في الشقّ الكردي، تاركاً للمحكمة الدستورية مسؤولية الثأر من نوّاب المجتمع الديموقراطي. لكن يبدو أنّ خطوة أردوغان توسيع باب العفو هي من الخطوط الحمراء التي لا تحتمل المؤسّسة العسكرية تمريرها تحت أنظارها.
وبدا من كلمتي بويوكانيت وسايغون أنّ هناك نوعاً من تقاسم الأدوار في توزيع الاتهامات. بويوكانيت يركّز الهجوم على مسؤولية الحكومة في شرعنة العمّال الكردستاني من خلال الاعتراف بنيابة نواب المجتمع الديموقراطي، وسايغون بدوره يقول إنّ هذه الشرعنة، فتحت الباب واسعاً أمام الدول الأجنبية للاستماع إلى مظالمهم من ناحية النقص في الحريات واغتصاب حقوقهم في تركيا، «ليغضّوا النظر عن نشاطهم المسلَّح تحت ادّعاءات أنّ قضيّة المنظّمة الكردية الإرهابية هي قضيّة عادلة ومحقّة، وهو ما يسمح أحياناً بوصول التمويل والدعم المعنوي والعسكري إليهم من الخارج».
قد يكون الهجوم العسكري الأخير، فاتحة لآخر قد يكون أعنف في المستقبل، مترافقاً مع تجييش شعبي على غرار ما حصل عندما أنزل حزب الشعب المعارض وحزب الحركة القومية المواليين للجيش، عشرات الآلاف إلى الشوارع تحت شعار «رفض التمادي الحكومي في التصدّي للإرهاب الكردي» في تشرين الأوّل الماضي عقب عمليّة الـ17 من ذلك الشهر.